فهرس الكتاب

الصفحة 8572 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 480

يشير إليه قوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ النّحل: 89، من دقائق المعارف في القرآن؟

وأمّا استبعاد أن يختفى عليهم معاني القرآن مع ما هم عليه من الفهم والجدّ والاجتهاد، فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني كثير من الآيات والتّناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم، إذ لا يتصوّر اختلاف ولا تناقض إلّا مع فرض خفاء الحقّ، واختلاط طريقه بغيره.

فالحقّ أنّ الطّريق إلى فهم القرآن الكريم غير مسدود، وأنّ البيان الإلهيّ والذّكر الحكيم بنفسه هو الطّريق الهادي إلى نفسه، أي أنّه لا يحتاج في تبيين مقاصده إلى طريق، فكيف يتصوّر أن يكون الكتاب الّذي عرّفه اللّه تعالى بأنّه هدى وأنّه نور، وأنّه تبيان لكلّ شي ء، مفتقرا إلى هاد غيره ومستنيرا بنور غيره ومبيّنا بأمر غيره؟

فإن قلت: قد صحّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال في آخر خطبة خطبها:"إنّي تارك فيكم الثّقلين، الثّقل الأكبر والثّقل الأصغر، فأمّا الأكبر فكتاب ربّي، وأمّا الأصغر فعترتي أهل بيتي، فاحفظوني فيهما فلن تضلّوا ما تمسّكتم بهما". رواه الفريقان بطرق متواترة عن جمّ غفير من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عنه، أنهى علماء الحديث عدّتهم إلى خمس وثلاثين صحابيّا. وفي بعض الطّرق"لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض". والحديث دالّ على حجّيّة قول أهل البيت عليهم السّلام في القران، ووجوب اتّباع ما ورد عنهم في تفسيره، والاقتصار على ذلك، وإلّا لزم التّفرقة بينهم وبينه.

قلت: ما ذكرناه في معنى اتّباع بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله آنفا جار هاهنا بعينه، والحديث غير مسوق لإبطال حجيّة ظاهر القرآن، وقصر الحجّيّة على ظاهر بيان أهل البيت عليهم السّلام كيف وهو صلّى اللّه عليه وآله يقول: لن يفترقا،؟ فيجعل الحجّيّة لهما معا، فللقرآن الدّلالة على معانيه والكشف عن المعارف الإلهيّة، ولأهل البيت الدّلالة على الطّريق وهداية النّاس إلى أغراضه ومقاصده.

على أنّ نظير ما ورد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في دعوة النّاس إلى الأخذ بالقرآن والتّدبّر فيه، وعرض ما نقل عنه عليه، وارد عن أهل البيت عليهم السّلام.

على أنّ جمّا غفيرا من الرّوايات التّفسيريّة الواردة عنهم عليهم السّلام مشتملة على الاستدلال بآية على آية، والاستشهاد بمعنى على معنى، ولا يستقيم ذلك إلّا بكون المعنى ممّا يمكن أن يناله المخاطب ويستقلّ به ذهنه لوروده من طريقه المتعيّن له.

على أنّ هاهنا روايات عنهم عليهم السّلام تدلّ على ذلك بالمطابقة، كما رواه في"المحاسن"بإسناده عن أبى لبيد البحرانيّ عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث قال:"فمن زعم أنّ كتاب اللّه مبهم فقد هلك وأهلك". ويقرب منه ما فيه وفي"الاحتجاج"عنه عليه السّلام قال:"إذا حدّثتكم بشي ء فاسألوني عنه من كتاب اللّه"الحديث.

وبما مرّ من البيان يجمع بين أمثال هذه الأحاديث الدّالّة على إمكان نيل المعارف القرآنيّة منه، وعدم احتجابها من العقول، وبين ما ظاهره خلافه، كما في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت