فهرس الكتاب

الصفحة 8574 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 482

للخلاف، فيقال له:"قول محكم".

وعليه فإنّ الآيات المحكمات هي الآيات ذات المفاهيم الواضحة الّتي لا مجال للجدل والخلاف بشأنها، كآية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص: 1، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ الشّورى: 11، واللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ الرّعد:

16، ولِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ النّساء: 11، وآلاف أخرى مثلها، ممّا تتعلّق بالعقائد والأحكام والمواعظ والتّواريخ، فهى كلّها من المحكمات. هذه الآيات المحكمات تسمّى في القرآن أمّ الكتاب، أي هي الأصل والمرجع والمفسّرة والموضّحة للآيات الأخرى.

والمتشابهات: هو ما تتشابه أجزاؤه المختلفة، ولذلك فالجمل والكلمات الّتي معانيها معقّدة وتنطوي على احتمالات مختلفة، توصف بأنّها متشابهة، وهذا هو المقصود من وصف بعض آيات القرآن بأنّها متشابهات، أي الآيات الّتي تبدو معانيها لأوّل وهلة معقّدة وذات احتمالات متعدّدة، ولكنّها تتّضح معانيها بعرضها على الآيات المحكمات، على الرّغم من أنّ المفسّرين أوردوا احتمالات متعدّدة في تفسير المحكم والمتشابه، ولكن الّذي قلناه يناسب المعنى الأصليّ لهذين المصطلحين، كما يتّفق مع سبب نزول الآية، وكذلك مع الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية، ومع الآية نفسها، ذلك لأنّنا نقرأ بعد ذلك أنّ المغرضين يتّخذون من الآيات المتشابهات وسيلة لإثارة الفتنة. وهم بالطّبع يبحثون لهذا الغرض عن الآيات الّتي يتحمّل ظاهرها تفسيرات متعدّدة. وهذا نفسه يدلّ على أنّ معنى المتشابه هو ذاك الّذي قلناه.

لذكر نماذج من الآيات المتشابهات يمكن إدراج بعض الآيات الّتي تخصّ صفات اللّه والمعاد. مثل: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح: 10، بشأن قدرة اللّه، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ التّوبة: 98، بشأن علم اللّه، ووَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ الأنبياء: 47، بشأن طريقة حساب الأعمال.

بديهيّ أنّ اللّه لا يد له بمعنى العضو، ولا أذن بالمعنى نفسه، ولا ميزان مثل موازيننا يزن بها الأعمال. هذه كنايات عن مفاهيم كلّيّة لقدرة اللّه وعلمه وميزانه.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلمتي المحكم والمتشابه قد وردتا في القرآن بمعنى آخر. ففي أوّل سورة هود نقرأ:

كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فهنا أشير إلى أنّ جميع آيات القرآن محكمات، والقصد هنا هو قوّة التّرابط والتّماسك بينها. وفي الآية: 23، من سورة الزّمر نقرأ: كِتابًا مُتَشابِهًا، أي الكتاب الّذي كلّ آياته متشابهات، وهي هنا بمعنى التّماثل من حيث صحّتها وحقيقتها.

يتّضح ممّا قلنا بشأن المحكم والمتشابه، أنّ الإنسان الواقعيّ الباحث عن الحقيقة لا بدّ له لفهم كلام اللّه أن يضع الآيات جنبا إلى جنب ثمّ يستخرج منها الحقيقة.

فإذا لاحظ في ظاهر بعض الآيات إبهاما وتعقيدا، فعليه أن يرجع إلى آيات أخر لرفع ذلك الإبهام والتّعقيد ليصل إلى كنهها.

تعتبر الآيات المحكمات في الواقع أشبه بالشّارع الرّئيسيّ، والمتشابهات أشبه بالشّوارع الفرعيّة، لا شكّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت