فهرس الكتاب

الصفحة 8575 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 483

أنّ المرء إذا تاه في شارع فرعيّ سعى للوصول إلى الشّارع الرّئيسيّ، ليتبيّن طريقه الصّحيح فيسلكه.

إنّ التّعبير عن المحكمات ب أُمُّ الْكِتابِ يؤيّد هذه الحقيقة أيضا، إذ أنّ لفظة (امّ) في اللّغة تعني الأصل والأساس، وإطلاق الكلمة على الأمّ لأنّها أصل الأسرة والعائلة، والملجأ الّذي يفزع إليه أبناؤها لحلّ مشاكلهم. وعلى هذا فالمحكمات هي الأساس والجذر، والأمّ بالنّسبة للآيات الأخرى.

2 -لماذا تشابهت بعض آيات القرآن؟

إنّ القرآن جاء نورا لهداية عموم النّاس، فما سبب احتوائه على آيات متشابهات، فيها إبهام وتعقيد بحيث يستغلّها المفسدون لإثارة الفتنة؟ هذا موضوع مهمّ جدير بكلّ بحث وتدقيق. وعلى العموم يمكن أن تكون النّقاط التّالية هي السّرّ في وجود المتشابهات في القرآن:

أوّلا: أنّ الألفاظ والكلمات الّتي يستعملها الإنسان للحوار، إنّما هي لرفع حاجته اليوميّة في التّفاهم، ولكن ما إن نخرج عن نطاق حياتنا المادّيّة وحدودها، كأن نتحدّث عن الخالق الّذي لا يحدّه أيّ لون من الحدود، نجد بوضوح أنّ ألفاظنا تلك لا تستوعب هذه المعاني، فنضطرّ إلى استخدام ألفاظ أخرى، وإن تكن قاصرة لا تفي بالغرض تماما من مختلف الجهات. إنّ هذا القصور في الألفاظ هو منشأ الكثير من متشابهات القرآن. إنّ آيات مثل: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح: 10، أو الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: 5، أو إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ القيمة: 23، الّتي سوف يأتي تفسيرها في موضعه، تعتبر من هذه النّماذج. وهناك أيضا تعبيرات مثل سميع وبصير، ولكن بالرّجوع إلى الآيات المحكمات يمكن تفسيرها بوضوح.

ثانيا: كثير من الحقائق تختصّ بالعالم الآخر، أو بعالم ما وراء الطّبيعة، ممّا هو بعيد عن أفق تفكيرنا، وإنّنا بحكم وجودنا ضمن حدود سجن الزّمان والمكان غير قادرين على إدراك كنهها العميق. قصور أفق تفكيرنا من جهة، وسموّ تلك المعاني من جهة أخرى، سبب آخر من أسباب التّشابه في بعض الآيات، كالّتي تتعلّق بيوم القيامة مثلا.

وهذا أشبه بالّذي يريد أن يشرح لجنين في بطن أمّه مسائل هذا العالم الّذي لم يرده بعد، فهو إذا لم يقل شيئا، يكون مقصّرا، وإذا قال، كان لا بدّ له أن يتحدّث بأسلوب يتناسب مع إدراكه.

ثالثا: من أسرار وجود متشابهات في القرآن إثارة الحركة في الأفكار والعقول، وإيجاد نهضة فكريّة بين النّاس. وهذا أشبه بالمسائل الفكريّة المعقّدة الّتي يعالجها العلماء لتقوية أفكارهم، ولتعميق دقّتهم في المسائل.

رابعا: النّقطة الأخرى الّتي ترد بشأن الوجود المتشابهات في القرآن، وتؤيّدها أخبار أهل البيت عليهم السّلام هي أنّ وجود هذه الآيات في القرآن يصعّد حاجة النّاس إلى القادة الإلهيّين والنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والأوصياء، فتكون سببا يدعو النّاس إلى البحث عن هؤلاء، والاعتراف بقيادتهم عمليّا، والاستفادة من علومهم الأخرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت