فهرس الكتاب

الصفحة 8577 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 485

انطلق في سياق اعتبار الكتاب الّذي أنزل على رسول اللّه هدى للنّاس كغيره من الكتب السّابقة عليه، ممّا يجعله مبيّنا لكلّ المفاهيم الأساسيّة الّتي ذكرت في التّوراة والإنجيل، لأنّه مصدّق لهما في ذلك كلّه، ذلك هو طابعه العامّ في ما أريد به من تغيير المسار الإنسانيّ على صورته. أمّا في الآيتين اللّتين بعدها، فنلاحظ أنّ هناك دعاء ينبع من أعماق الرّوح الّتي تعيش الإحساس بالقلق، على القلب أن يزيغ في ما يمكن أن يثار أمامه من شبهات في المفاهيم الّتي يقرّرها الكتاب، في ما يقرّره من حقائق العقيدة والحياة، ومن إشكال في بعض الكلمات الّتي قد تختلف دلالتها على المعنى الحقيقيّ، ممّا يوجب السّير في طريق الضّلالة بعد أن انطلقت الخطى في طريق الهدى.

إنّ الدّعاء يبتهل إلى اللّه سبحانه أن يهب للإنسان الرّحمة الّتي تمثّل انفتاح الإنسان على الحقّ والفهم الواعي البعيد عن تعقيدات الذّات، عند ما تحاول أن تنحرف به عن الاتّجاه الطّبيعيّ في وعي النّصوص، لأنّها قد تعمل على أن تحمّل اللّفظ ما لا يتحمّل من المعنى، وتضعه في جوّ غريب عن الجوّ الّذي يتحرّك فيه، فيختلف الفهم حسب اختلاف ذلك، ويبتعد كثيرا عن معناه. وبذلك كان لا بدّ من رحمة اللّه الّتي تعطي الإنسان شعورا بالمسؤوليّة في مجال المعرفة، كما هي المسؤوليّة في مجال العمل، حيث تتفايض في القلب كلّ الأفكار الطّيّبة البسيطة، الّتي تواجه الحقيقة ببساطتها من موقع العفويّة لا من موقع التّعقيد والأفكار المسبقة النّاشئة من أوضاع وظروف بعيدة عن إطار اللّفظ والمعنى.

تحرير فهم القرآن من الأفكار المسبقة:

إنّنا نستلهم من خلال هذا السّياق الّذي يحيط بالآية، أنّ هناك خطّا أساسيّا يجب اتّباعه في طريقة الاستهداء بالقرآن إلى المعرفة الحقّة، وهو خطّ المسؤوليّة الفكريّة والرّوحيّة الّتي تواجه القرآن، كما لو لم يكن هناك فكر قبله، لتفهمه بعيدا عن ضوضاء الأفكار السّابقة. وبهذا نستطيع أن نضع الآية في هذا الجوّ.

في القرآن نموذجان من الآيات:

فهي تتحدّث عن أنّ الكتاب يشتمل على نموذجين من الآيات، الآيات المحكمة الّتي تمثّل الوضوح في اللّفظ والمعنى، بحيث لا تدع مجالا للشّكّ والاحتمال، والآيات المتشابهة الّتي تمثّل نوعا من أنواع الغموض، فيما يمكن أن تحمل عليه ألفاظها، لأنّها تحتمل بعض المعاني الواردة على خلاف ما وضعت له لغة، ممّا يجعل القضيّة متردّدة بين أكثر من مفهوم، وذلك قد يكون بملاحظة طبيعة اللّفظ، أو بملاحظة طبيعة المعنى.

نموذج القلوب الزّائغة:

ثمّ تثير أمامنا قصّة أولئك الّذين في قلوبهم انحراف عن خطّ الهدى، فهم لا يقرأون الكتاب ليتدبّروه وليهتدوا به، فيرجعوا متشابهه إلى محكمه، حيث يكون الإحكام هناك دليلا على تفسير التّشابه هنا، بل يحاولون أن يقرأوه قراءة الإنسان المعقّد تجاه الرّسالة والرّسول والنّاس الّذين آمنوا بهما، فهم يعملون على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت