فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 486
إيجاد الارتباك في المفاهيم، بالانحراف بها عن مدلولها الحقيقيّ، لإفساح المجال لفتنة المسلمين عن دينهم باسم الدّين. ولذلك كانوا يتّبعون المتشابه، لا اتّباع العمل والهدى، بل اتّباع الفرصة السّانحة لتنفيذ المخطّط الضّالّ، لأنّه هو الّذي يمكّنهم من الفتنة بما يفتحه أمامهم من مجالات التّفسير الّذي لا تسمح به الآيات المحكمة لما تشتمل عليه من الوضوح.
ولعلّ ما تقدّم من ذكر أسباب النّزول، بمناسبة الكلام على الآيات 1 - 6، يوضح الصّورة، فقد نستوحي من القصّة، أنّ هؤلاء كانوا يحاولون أن يختاروا من آيات القرآن، الآيات الّتي تتحدّث عن عيسى بأنّه روح اللّه، وبأنّه كلمة اللّه الّتي ألقاها إلى مريم، ونحو ذلك، ممّا يمكن أن يترك لهم مجالا بأن يلبسوا الأمر على البسطاء في ما تعنيه هذه الكلمات من وجود جزء من الألوهيّة في ذاته، أو ما أشبه هذا من التّأويلات والتّعليلات. وهذا هو شأن كلّ صاحب فكرة أو عقيدة، فإنّه يحاول أن يجرّ الآخرين إليه من خلال الاستفادة من بعض الكلمات الّتي تسمح بالتّفسير الفضفاض الّذي يقف الإنسان معه عند حدّ معيّن واضح، لتضليلهم عن الحقّ، باسم آيات الحقّ. وهذا هو الّذي أوجب الاختلاف في المذاهب الإسلاميّة في الجبر والتّفويض والتّجسيم، ورؤية اللّه وغيرها من المفاهيم الّتي وقعت مجالا للنّزاع بين المسلمين، فحاول كلّ فريق أن يستفيد من بعض الآيات القرآنيّة الّتي قد تفسّر على هذا النّحو أو ذاك، في ما يلائم اللّفظ من تفسير. وهذا ما عبّر عنه الإمام عليّ عليه السّلام في بعض كلامه:"لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه".
نموذج الرّاسخين في العلم:
أمّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، هؤلاء الّذين أعطاهم اللّه الرّؤية الواضحة للأشياء، فإنّ شأنهم شأن العلماء الّذين لا يصدرون حكما في موضوع إلّا بعد التّدبّر والتّأمّل والبحث والتّدقيق في جميع وجوهه، الأمر الّذي يجعلهم يقارنون بين مفهوم وآخر، وبين نصّ هنا ونصّ هناك، ممّا قد يوحي بالتّنافي والتّنافر، فيحاولون الجمع بينهما من خلال اكتشاف الحقائق الأساسيّة الواضحة، وإرجاع كلّ الأمور والنّصوص الأخرى إليها في عمليّة تفسير للفظ على الأسس الفنّيّة للكلام، بحيث لا تبتعد عن القواعد العربيّة، ولا تنحرف عن المفهوم السّائد في فهم المعنى من اللّفظ، وبذلك لا يكون التّأويل حملا للفظ على خلاف ظاهره بالطّريقة الّتي تحوّل الكلام إلى ما يشبه الأدب الرّمزيّ الّذي لا يكون اللّفظ فيه قالبا للمعنى، بل يكون التّأويل إرجاعا للفظ إلى معناه، في ما يزعمه هؤلاء من تأويلات الباطل عند ما يرجعونه إلى معانيه الباطلة، أو في ما توحي به الآيات الأخرى الواضحة الدّلالة في ما تقرّره من حقائق العقيدة والحياة، وما يكتشفه الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ من معناه الّذي علّمهم اللّه إيّاه. وبهذا يقترب من معنى التّفسير الّذي يضع اللّفظ في موقعه من حيث دلالته على المعنى الّذي لا يختلف مع المعنى الآخر الحقيقيّ. [ثمّ أدام البحث في التّأويل وأضاف:]