فهرس الكتاب

الصفحة 8579 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 487

المتشابه والمجمل:

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ يا محمّد، الْكِتابَ القرآن الّذي أراده اللّه هدى للنّاس، في انفتاح آياته على آفاق المعرفة وحقائق العقيدة ودقائق الأشياء، وفي تنوّع أساليب دلالاتها على الفكرة من خلال خصائص اللّغة العربيّة، الّتي تتنوّع دلالات ألفاظها على المعاني، من حيث الوضوح والخفاء، تبعا لحاجات التّعبير الّتي تختلف فيها الحقيقة عن المجاز، وتتنوّع فيها عناوين الاستعارة والكناية في الأساليب البلاغيّة الّتي تمنح الكلام رونقا وحلاوة وحركة فنّيّة، قد تتعب الفكر في استجلاء المعنى، ولكنّها تبتعد به عن متاهات الاحتمالات، لأنّها ترتكز على الحقيقة الواضحة في إرجاعها إلى معانيها الأصيلة في الحقائق القرآنيّة الواضحة. مِنْهُ أي من الكتاب، آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات الدّلالة على المعاني، فلا مجال فيها لأيّ لبس في التّفسير ولأيّ غموض في المعنى، أو أيّ احتمال بعيد.

هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي القاعدة الّتي ترجع إليها كلّ الآيات في معناها، باعتبارها تمثّل الحقيقة الحاسمة الّتي لا ريب فيها، ولا التباس يمكن لأصحاب القلوب الزّائغة استغلالها لحرف النّاس عن جادّة الحقّ والصّواب. فعند هذه الآيات الأصل تلتقي كلّ حقائق المعرفة، وإليها ترجع كلّ الاحتمالات. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ لا تملك من الوضوح في الدّلالة على معناها ما تملكه الآيات المحكمات، فقد يتردّد معناها بين نوعين من المعاني من حيث تبادر المعنى الحقيقيّ من اللّفظ عند إطلاقه، فيخيّل للسّامع أنّه المراد منه، ومن حيث وجود بعض القرائن الموحية بالمعنى المجازيّ أو الكنائيّ، وذلك كما في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه: 5، فإنّ كلمة الاستواء على العرش قد توحي بالجلوس عليه والاستقرار فوقه بالمعنى المادّيّ بما يدلّ على التّجسيم للذّات الإلهيّة تماما، كبقيّة الأجسام الّتي يعرض عليها القيام والقعود.

وقد يكون المراد به الاستواء المعنويّ بمعنى السّيطرة والهيمنة على الملك، من حيث استعارته كلمة العرش للملك، وكلمة الاستواء للسّيطرة، فيدور الأمر بينهما، فنرجع إلى الآية المحكمة الّتي لا مجال فيها لأيّ تأويل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ الشّورى: 11، الّتي تنفي عن اللّه- بكلّ وضوح وصراحة- كلّ مماثل في الذّات، فتنفي عنه مماثلته للمخلوقات في الجسد، فيتعيّن المعنى الثّاني الّذي يبدو واضحا محكما بلحاظ هذه الآية.

وهكذا نلتقي بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ القيمة: 22، 23، فإنّها توحي- في البداية- من خلال معنى الإبصار المنفتح على اللّه بشكل حسّيّ تماما، كما لو كان جسما يرى، لأنّ معنى اللّفظ- بحسب الوضع- هو ذلك، ولكنّنا إذا قارنّاه بقوله تعالى:

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ الأنعام:

103، الّتي تدلّ دلالة واضحة على امتناع إدراك الأبصار له، كانت مفسّرة لتلك الآية، بأنّ المراد بالنّظر إلى اللّه:

النّظر العقليّ أو الرّوحيّ، لا الحسّيّ، أو النّظر إليه من خلال النّظر إلى مواقع عظمته، فيرتفع اللّبس، وتتّضح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت