فهرس الكتاب

الصفحة 8580 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 488

الصّورة كأيّ لفظ تحيط به القرينة اللّفظيّة أو العقليّة على إرادة خلاف ظاهره، ليتّخذ اللّفظ لنفسه ظهورا ثانويّا ينسبق معناه إلى الذّهن تماما، كما هو المعنى الحقيقيّ.

وهكذا نتمثلّ المسألة في الآية المنسوخة الظّاهرة في امتداد الحكم إلى آخر الزّمان، كحكم حاسم شامل لكلّ امتدادات الزّمن، فإذا جاءت الآية النّاسخة، كانت دليلا على إرادة الحكم المحدود من تلك الآية، ولكن اللّه أخّر تحديدها إلى زمن نزول الآية الأخرى، بحيث تؤدّي المقارنة بينهما إلى وضوح الدّلالة، فتتحوّل الآية المتشابهة في ذاتها إلى آية محكمة بلحاظ الآية المحكمة الأخرى.

معنى التّشابه:

وفي ضوء هذا، نعرف أنّ التّشابه لا يعني المجمل الّذي لا يملك أيّ ظهور للفظ في المعنى، كالألفاظ المشتركة وضعا، أو المحاطة بقرائن مجملة توجب إجمالها، بل المراد به اللّفظ الظّاهر في معنى معيّن في الظّهور الأوّليّ، الّذي يراد به معنى آخر ببركة القرينة الواضحة الّتي تمنحه ظهورا ثانويّا، بحيث لا يشكّ السّامع أو القارئ في مدلوله الحقيقيّ بعد ذلك تماما، كما هي قرينة المجاز الّتي تلحق الكلام، فتؤدّي إلى ظهوره في المعنى المجازيّ الجديد.

المراد من إحكام آيات القرآن كلّه:

وعلى هذا الأساس، نفهم المراد من قوله تعالى:

كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود: 1، فقد وصف اللّه القران كلّه بأنّه الكتاب المحكم في جميع آياته، فيخيّل للقارئ أو السّامع أنّ هذا مناف للآية المذكورة في عرضنا هذا، لأنّها تقسم الكتاب إلى قسمين: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فإنّ المراد من إحكام آيات القرآن كلّه، هو مجموع الآيات الّتي لا تختلف مداليلها، بل تتكامل عند ضمّ بعضها إلى بعض، فيكون بعضها مفسّرا لبعضها الآخر وشارحا له ومبّينا للمعنى الواقعيّ الّذي أريد منه ما ورد على خلاف ظاهر اللّفظ في معناه الموضوع له، ما يؤدّي به إلى الوضوح في النّتائج الحاسمة في نهاية المطاف، فيكون القرآن كلّه محكما بطريقة مباشرة في بعض آياته، وبطريقة غير مباشرة في البعض الآخر.

معنى قوله تعالى: كِتابًا مُتَشابِهًا:

وبهذا يتبيّن معنى قوله تعالى في وصف الكتاب في آية أخرى بأنّه"متشابه"وذلك قوله تعالى: كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ الزّمر: 23، فإنّ المراد بالمتشابه هنا، هو الكتاب المنسّق في آياته، الّذي يشبه بعضه بعضا في تبيان الحقائق، وتركيز المعارف، ودقّة المعانيّ، وتناسق الآيات، وبلاغة الأسلوب، بحيث يفسّر بعضه بعضا ويكمّل بعضه بعضا.

آيات القرآن تتكامل فيما بينها:

ولو لا هذه الملاحظة المذكورة الّتي ترجع المتشابه إلى المحكم، وتجعل من المحكم قاعدة فكريّة تفسيريّة للمتشابه، لكان القرآن في بعض آياته مجملا غامضا لا مجال للاحتجاج به، أو للتّدبّر في آياته، فكيف يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت