فهرس الكتاب

الصفحة 8581 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 489

نورا وهدى وبيانا وتبيانا لكلّ شي ء؟!

ولعلّ الدّراسة الواعية الدّقيقة للقرآن في كلّ موضوعاته الفكريّة والعقيديّة والتّشريعيّة، ومفاهيمه العامّة المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان وعالم الغيب والشّهادة، توحي للقارئ الباحث بأنّ آيات القرآن تتكامل في بناء الفكر الإسلاميّ، فإذا كانت هذه الآية توحي بمعنى في بادئ الأمر، فإنّ الآية الأخرى تفسّرها لتلتقي به في معنى واحد، وإذا جاء الحكم الشّرعيّ في بعضها عامّا أو مطلقا، فإنّنا نلتقي في بعضها الآخر بما يخصّصه أو يقيّده، فلا يجد الإنسان فيه اختلافا بين أفكاره، أو تنافرا بين آياته، أو غموضا في معانيه، بل هو الوضوح الّذي يستمدّ طبيعته من طبيعة الألفاظ في معانيها الموضوعة، ومن عمق التّدبّر في أغوارها العميقة، ومن المقارنة الموضوعيّة بينها في عمليّة التّكامل في حركة الأفكار في بنيتها الأساسيّة.

وهذا هو الّذي أراده اللّه من عباده في الأمر بالتّدبّر للقرآن في قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا النّساء:

82، فإنّ إدراك هذه الحقيقة، تفرض على الإنسان أن يدرس القرآن كلّه، في جميع آياته وموضوعاته، ليأخذ الفكرة الكاملة، وأن يتعمّق في دراسته بعيدا عن القراءة السّطحيّة، ليعرف كيف يجعل الآية هنا، مفسّرة للآية هناك، أو يأخذ من هذه الآية جانبا من المعنى، ويأخذ من الأخرى جانبا آخر، وذلك من خلال الثّقافة الواسعة العميقة في اللّغة العربيّة، الّتي تربّي له ذوقه اللّغويّ، بحيث يفهم المعاني من الألفاظ من خلال أسرار اللّغة في دقائقها وتنوّعاتها، ومن خلال الذّهنيّة المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان؛ الأمر الّذي يملك معه فهم القرآن في الجانب اللّغويّ والفكريّ والعمليّ معا في كلّ آياته المحكمة والمتشابهة.

المنحرفون يفسّرون القرآن بأهوائهم:

وهذا ما يحمي الإنسان من الانحراف في وعي الأسلوب القرآنيّ في الفهم والتّفسير، فيبتعد به عن الطّريقة الّتي يتأوّل بها اللّفظ الدّالّ على معنى في غير الاتّجاه الّذي انطلق فيه، من غير دليل قرآنيّ يوحي به أو يدلّ عليه، لأنّه يريد أن يجعل القرآن حجّة على ما يفكّر به أو ينتمي إليه، فيستغلّ قابليّة اللّفظ له، فيحمله عليه، في الوقت الّذي لا يستطيع القارئ الواعي أن يفهم منه ذلك بطريقة طبيعيّة. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وميل عن خطّ التّوازن في الفكر والاستقامة في الخطّ، من هؤلاء الّذين يعيشون الارتباك الفكريّ والقلق الرّوحيّ والضّياع العمليّ، فلا يلجأون إلى ركن وثيق من الحجّة القاطعة الواضحة، ولا ينطلقون من فكر عميق واسع، ومن خطّ مستقيم واضح، فهم لا يتحرّكون من موقع إيمانهم بالحقيقة الواقعيّة الّتي تناديهم في إيجاءاتها الفكريّة الإنسانيّة للبحث عنها والسّعي إليها، بل يتحرّكون من خلال تلبية حاجاتهم، وتحريك أطماعهم، وتوجيه طموحاتهم نحو الأهداف الخبيثة، فيبحثون عن أيّ مبرّر للحصول على ما يريدون، بعيدا عن الشّروط الأخلاقيّة لذلك، لأنّ المهمّ لديهم أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت