فهرس الكتاب

الصفحة 8582 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 490

يقدّموا بين أيديهم أيّة حجّة في الصّورة الظّاهرة، حتّى لو كانت غير مقنعة، لأنّ قناعة الآخرين ليست الهدف لهم، بل الهدف الأساس هو تضليلهم وتوجيههم نحو الانحراف عن الخطّ المستقيم، من أجل إرباك الواقع الإنسانيّ، وإبعاده عن الانسجام مع رسالات الأنبياء وحركات المخلصين، ولهذا، فإنّهم يحاولون أن يلعبوا على الألفاظ، ويتحرّكوا بأساليب الدّسّ والتّشويه والتّهويل ضدّ الرّسل والرّسالات، فيلجأون في تبرير مواقفهم وأوضاعهم إلى المتشابهات الّتي يمكن أن تثير الجدل بين النّاس لقابليّتها للتّفسير والتّأويل.

فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ للإيحاء بأنّهم يرتكزون على القرآن في ما يطلقونه من أفكار، وما يخطّطون له من برامج، وما يثيرونه من قضايا في السّاحة الإنسانيّة العامّة، لإخفاء نيّاتهم الخبيثة ضدّ الإسلام والمسلمين.

ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ الّتي يحرّكونها في الجانب الفكريّ، لفتنة المؤمنين عن دينهم الحقّ، لينحرفوا عن خطّه المستقيم، ممّا قد يؤدّي إلى الفتنة الاجتماعيّة بينهم، إذا اختلفوا في فهمهم للإسلام من خلال ذلك، فيتفرّقون شيعا وأحزابا، ومذاهب وطوائف في خطّ العصبيّة الّتي تثير الانفعال، وتغذّي الأحقاد، وتقود إلى القتال.

وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وإرجاعه إلى المصادر الّتي يرتكزون عليها في أفكارهم ومعارفهم في استغلال للغموض البدويّ في الآيات المتشابهة، كما فعل اليهود في محاولاتهم، الدّخول على النّصّ القرآنيّ بإثارة التّفاصيل في ما أجمله القرآن، وتوجيه التّفسير، في ما يحتاج منه إلى التّفسير، نحو العقائد الّتي يعتقدونها. وقد تركت هذه المداخلات اليهوديّة الكثير من الإرباكات في التّصوّر الإسلاميّ للقرآن، ممّن لم يملكوا المعرفة الواسعة لاكتشاف مواقع الخلل الفكريّ فيها.

وقد جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السّلام ما مضمونه: أنّ نفرا من اليهود ومعهم حييّ بن أخطب وأخوه، جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله واحتجّوا بالحروف المقطّعة الم،* وقالوا: بموجب حساب الحروف الأبجديّة، فإنّ الألف في الحساب الأبجديّ تساوي الواحد، واللّام تساوي 30، والميم تساوي 40، وبهذه، فإنّ فترة بقاء أمّتك لا تزيد على إحدى وسبعين سنة، فقال لهم رسول اللّه على أساس الحديث ما معناه: لماذا حسبتم الم* وحدها؟ ألم تروا أنّ في القرآن المص والر* ونظائرها من الحروف المقطّعة، فإذا كانت هذه الحروف المقطّعة تدلّ على مدّة بقاء أمّتي، فلماذا لا تحسبونها كلّها؟ وعندئذ نزلت هذه الآية.

فإذا صحّت هذه الرّواية، فإنّنا نستفيد منها أنّ هؤلاء يحاولون النّفاذ من بعض المواقع القابلة للتّأويل، إلى إيجاد بعض الأجواء النّفسيّة اليائسة، ليعيش النّبيّ والمسلمون معه الإحباط في نظرتهم إلى مستقبل الدّين وامتداده في الزّمن، كما أنّهم يحاولون في مواقع أخرى أن يفرضوا مفاهيمهم وأقاصيصهم وشرائعهم على الذّهنيّة الإسلاميّة، من خلال محاولتهم إرجاع بعض الآيات القرآنيّة إلى المصادر، الّتي يؤمنون بها ويرتكزون في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت