فهرس الكتاب

الصفحة 8583 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 491

عقائدهم الدّينيّة عليها.

وهذا ما نلاحظه في المحاولات الّتي حاول فيها نصارى نجران- حسب الرّواية السّابقة- الاستفادة من"كلمة اللّه وروحه"الواردة في القرآن، في الحديث عن السّيّد المسيح، للاحتجاج على بعض عقائدهم في"التّثليث"و"ألوهيّة المسيح"، من دون ملاحظة للآيات الأخرى المصرّحة بنفي الألوهيّة والتّثليث معا، واعتبار الاعتقاد بهما كفرا مرفوضا في الإيمان الإسلاميّ.

وهذا ما يحاوله البعض من علماء النّصارى من اعتبار الإسلام بدعة نصرانيّة، وتأويل النّصوص القرآنيّة لمصلحة العقيدة النّصرانيّة، للإيحاء بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله كان نصرانيّا مبتدعا، يستوحي الإنجيل في قرآنه بطريقة معيّنة لا تبتعد عن العقيدة النّصرانيّة الأمّ، وذلك بالتّلاعب على الألفاظ بتفسيرها بطريقة معيّنة، أو تحويرها لشكل معيّن.

وهذا ما نلاحظه في المداخلات الّتي يقوم بها العلمانيّون المسلمون، الّذين يحاولون إخضاع القرآن للكثير من أفكارهم العلمانيّة وللخطوط الفكريّة الغربيّة الحديثة، بما يبرّر الكثير من التّشريعات والمفاهيم والخطوط الفكريّة والعمليّة. [إلى أن قال:]

وقفة مع صاحب"الميزان":

وقد وافقهم في هذا الرّأي صاحب تفسير"الميزان"، الّذي يرى أنّ المعنى في الآية:"أنّ النّاس في الأخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتّبع ما تشابه منه، ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شي ء منه: آمنّا به، كلّ من عند ربّنا، وإنّما اختلفا لاختلافهم من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم".

ولكنّنا نلاحظ على كلامه، بالإضافة إلى ما قدّمناه في صدر تفسير الآية، أنّ الإشكال على حديثه عن سياق الآية جاء على تقسيم النّاس من الكتاب إلى جماعة تتّبع المتشابه لاستغلاله في غير الحقّ، من خلال زيغ قلوبهم وانحرافهم عن خطّ الاستقامة، وجماعة ثابتة على اتّباع المحكم، والإتيان بالمتشابه لرسوخ في علمهم، ويستفاد من الآية- كما ذكرنا ذلك- أنّ القصد الأوّل في ذكر الرّاسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن، ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزّائغين وطريقتهم وذمّهم، والزّائد على هذا القدر خارج عن القصد الأوّل، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتّأويل مع ذلك.

ولكنّه لا يمانع من أنّ الرّاسخين في العلم قد يعلمون معنى المتشابه على طريقة الاستثناء من القاعدة، فإنّ"العلم بالتّأويل مقصور في الآية عليه تعالى، ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه، كما أنّ الآيات دالّة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه، كما في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ الجنّ: 26، 27، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بعينهم؛ إذ لا منافاة بين أن تدلّ هذه الآية على شأن من شؤون الرّاسخين في العلم، وهو الوقوف عند الشّبهة والتّسليم في مقابل الزّائغين قلبا، وبين أن تدلّ آيات"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت