فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 492
أخر على أنّهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته"."
وخلاصة الإشكال، أنّ السّياق في هذه الآية يتحرّك في دائرة الحديث عن الكتاب وانقسام النّاس حوله،- كما ذكر- ولكن الظّاهر أنّها- في مقام بيان الموقف منه- تؤكّد أنّ هناك من لا يؤمن بالكتاب، ويحاول إضلال النّاس البسطاء باستغلال المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم، وتأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة، من دون أن يملكوا علم ذلك، لأنّهم لم ينفتحوا عليه انفتاح المؤمن على كتابه المقدّس، ليتدبّروا آياته ويرجعوا بها إلى معانيها في الواقع، من خلال مصادر العلم لديهم، ومنها وحي اللّه وإلهامه في تفسير آياته، فهم لا يجدون أيّة ضرورة أو أيّ حافز لذلك.
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فإنّهم انطلقوا في إيمانهم من خلال معرفتهم باللّه وبكتابه، ولذلك فإنّهم يواجهون المتشابه من موقع إيمانهم، بأنّ الكتاب من عند اللّه، في محكمه ومتشابهه، فلا تختلف آياته، ولا تتنافر معانيه، ممّا يجعل بعضه يفسّر البعض الآخر. ولذلك فإنّهم يستخدمون علمهم من أجل أن يؤكّدوا إيمانهم وإيمان النّاس به، فيعلنونه في موقع حاسم لا مجال للشّكّ فيه، ليقولوا: آمنّا به، كلّ من عند ربّنا الّذي جعل المحكم، الّذي هو أمّ الكتاب ومصدره ومرجعه، دليلا على المتشابه، وجعلهما معا نورا وهدى للنّاس، فليست مسألة تسليم إيمانيّ مجرّد، بل هو تسليم عقليّ واع في الإيمان، ولذلك ضمّ المحكم إلى المتشابه، مع أنّ الإيمان به كان منطلقا من حالة وعي لا من حالة تسليم أعمى، ممّا يؤكّد هذا الوجه الّذي نرتأيه، ويذهب إليه جمهرة من الصّحابة كابن عبّاس وبعض القدماء والشّافعيّة، ومعظم المفسّرين من الشّيعة.
إنّ اعتبار التّأويل في الآية مختصّا باللّه، لا يتناسب مع تفسير العلّامة الطّباطبائيّ للمتشابه: بأنّه"كون الآية بحيث لا يتعيّن مرادها لفهم السّامع بمجرّد استماعها، بل يتردّد بين معنى ومعنى حتّى يرجع محكمات الكتاب، فتعيّن هي معناها وتبيّنها بيانا، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها". فإذا كان المتشابه- في القرآن كلّه- محكما واضحا ببركة المحكم، فكيف يكون ممّا اختصّ اللّه بعلمه، كعلم الغيب، فإنّ الغيب ممّا استأثر اللّه بعلمه، فلا طريق إليه إلّا من خلاله. أمّا المتشابه، فيمكن للرّاسخين في العلم أن يعرفوه من خلال ردّه إلى المحكم الّذي يملكون علمه.
وقد ذكر الطّبرسيّ صاحب"مجمع البيان"تأييدا للقول بالعطف:"أنّ الصّحابة والتّابعين أجمعوا على تفسير آي القرآن، ولم نرهم توقّفوا على شي ء منه ولم يفسّروه بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلّا اللّه".
وقد ذكر صاحب"الميزان": أنّ كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة.
ولكن يلاحظ على ذلك، أنّ ذكر التّأويل السّلبيّ لدى الّذين في قلوبهم مرض، إلى جانب الحديث عن