فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 507
ثانيهما: أنّها كما يشهد الآيات قبلها، ولا سيّما الآية رقم (49) : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ، أنّ الحكم فيها راجع إلى القضاء فهي بهذا اعتبار من جملة آيات القضاء، لكنّهم أرادوا أن يحكم النّبيّ بينهم بحكم الجاهليّة، وبهذا الاعتبار تدخل في حكم الجاهليّة:
5 -إن قيل: لم عنى تعالى أهل الجاهليّة خطابا واليهود غيابا في آيات سورة المائدة (48 إلى 55) ؟
يقال: إنّ مشركي مكّة قومه وعشيرته، وكان يتفانى في هدايتهم، ويخاطبهم كما يخاطب المرء رهطه، حتّى أشفق اللّه عليه، فخاطبه بقوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ الشّعراء: 3.
وأمّا اليهود فلا يمتّ إليهم بصلة، وكان آيسا من إسلامهم، لعلمه بعنادهم وإصرارهم على ضلالتهم. كما أنّ سورة المائدة كانت من أواخر السّور الّتي نزلت في المدينة- ولا تكون آخرها إطلاقا- وكانت تلك الفترة تمثّل ذروة الصّراع بين المسلمين واليهود.
المحور الثّالث- حكم اللّه وقضائه في العقيدة في 29 آية: (11 - 39) ، وأكثرها ما يحكم اللّه به في الآخرة بين عباده المؤمنين الصّالحين، والكافرين المكذّبين، كما جاء في جملة منها: يَوْمَ الْقِيامَةِ،* أو سَرِيعُ الْحِسابِ،* أو وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ،* أو أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ونحوها.
وكلّها يناسب الآخرة، وفيها بحوث:
1 -قصّر اللّه الحكم على نفسه في ثلاث منها: (11 - 13) بسياق النّفي والاستثناء إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ،* وفي ثلاث بعدها (14 - 16) بتقديم الخبر (لَهُ الْحُكْمُ) *، ويبدو أنّ السّياق الأوّل آكد في الحصر من الثّاني.
إلّا أنّ (14) من بينها بدأت بأداة الاستفتاح (الا) وهي تؤكّد الحصر. ونظيرها أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ الأعراف: 54.
أمّا في (17) فجاء بدلها فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، والحصر فيه مستفاد من تعريف المبتدإ ولام الاختصاص، وتوصيف الخبر بوصف يختصّ باللّه تعالى، وهو (الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) *، ومثلها (19) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ.
وأمّا في (18) فالحصر مصرّح به بأنّه لا يشرك في حكمه أحدا، وما قبله تمهيد له: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.
وهكذا سائر الآيات، فلا يخلو شي ء منها من إفادة اختصاص القضاء والحكم بين العباد- ولا سيّما في الآخرة- باللّه تعالى، إمّا بتقديم الفاعل على الفعل مثل (27) أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ، و (28 و29) فَاللَّهُ يَحْكُمُ،* أو بتمهيد يفيد الحصر مثل (20) فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ، و (26) ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، و (31) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.
2 -وجاء طلب الحكم من اللّه مرّة في (21) رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ وفيها ثلاثة أبحاث:
الأوّل: في قرائتها على وجوه قد حكاها الطّبريّ وقال:"فقرأته عامّة قرّاء الأمصار: (قل ربّ احكم) أي كما هو شائع الآن، وأيّدها بإجماع الحجّة من القرّاء عليه، وبشذوذ ما خالفها-، خصوصا قراءة الضّحّاك"