فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 511
كما أنّه يعلم من (42) لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أنّ القضاء يحتاج إلى إعمال الرّأي والتّفرّس في تشخيص الحقّ بتوفيق من اللّه وهدايته، حتّى للنّبيّ عليه السّلام، فعلى القضاة استصواب الرّأي من اللّه تعالى.
4 -وقد جاء التّحكيم في آيتين: (49) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ، و (57) "حتى يحكمونك"وجاء التّحاكم في آية (56) يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ، والأولى في اليهود، والأخيرتان في المنافقين، وأمّا غيرها من الآيات ففي النّاس والمؤمنين، فلاحظ سياقها.
5 -والآية (57) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، دالّة على أشقّ التّكاليف- كما قال أستاذنا الشّيخ هاشم القزوينيّ رضى اللّه عنه- لأنّها قيّدت الإيمان بأن لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضى النّبيّ عليه السّلام، وهذا صعب على النّفوس، فهي تحمل علامة إزالة جرثومة النّفاق رأسا عن النّفوس.
6 -وهذه الآيات كلّها مدنيّة سوى (40) الرّاجعة إلى داود النّبيّ عليه السّلام، والباقي راجع إلى النّبيّ والمؤمنين في المدينة، ولم يحكم النّبيّ عليه السّلام بحكم في مكّة، إذ لم يكن له حكم وولاية فيها، بل كان له الأمر والنّهي في المدينة، فكانت هي دار الولاية والتّشريع والقضاء وهي من شؤون وليّ الأمر، ومن بيده زمام الأمور، فالقضاء فرع التّشريع.
مع أنّ آيتين (44 و45) جائتا في الحكم بين اليهود، والمنافقين، وقد ابتلي النّبيّ عليه السّلام بكلا الفريقين في المدينة.
7 -آيات المائدة (48 إلى 55) نزلت في الحكم بين طائفتين من اليهود: بني قريظة وبني النّضير بالرّجم في الزّنى، أو في دية القتيل على اختلاف وتفصيل عن ابن عبّاس وغيره جاء في النّصوص، فرجعوا إلى النّبيّ عليه السّلام وقد خيّر بين الحكم بالقسط بينهم، وبين الإعراض عنهم في (48) فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
وبعدها: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ... ، فهذا صريح في أنّ الآيات راجعة إلى اليهود، وقد وردت فيها الأحاديث أيضا منها حديث عن الإمام الباقر عليه السّلام الآتي.
فالعجب من النّخعيّ والشّعبيّ حيث خصّا هذه الآية بالمشركين، فلاحظ النّصوص.
8 -صريح هذه الآية التّخيير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، لكن عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما أنّ هذا الحكم منسوخ، وأنّه يجب الحكم بينهم إذا رجعوا إلى المسلمين، ولم يقم شاهد على النّسخ سوى أنّ مقاتل استشهد للنّسخ بقوله في ذيلها (54) فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، مع أنّها متّصل بما قبلها، وليس فيها نسخ، بل تصريح بأنّه إذا حكم بينهم فليحكم بما أنزل اللّه، ولا يتّبع أهواءهم.
واستصوب الطّبريّ بقاء التّخيير ونفى دلالة ذيلها