فهرس الكتاب

الصفحة 8605 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 513

ثلاثة أشياء، وذكرها على ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنّ الكتاب السّماويّ ينزل أوّلا، ثمّ يحصل في عقل النّبيّ فهم ذلك الكتاب، وإليه الإشارة بالحكم، فإنّ أهل اللّغة والتّفسير اتّفقوا على أنّ هذا الحكم هو العلم، قال تعالى: (68) : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يعني العلم والفهم، ثمّ إذا حصل فهم الكتاب فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق، وهو النّبوّة، فما أحسن هذا التّرتيب؟""

وقال في موضع آخر:"و اعلم أنّ العطف يوجب المغايرة، فهذه الألفاظ الثّلاثة لا بدّ وأن تدلّ على أمور ثلاثة متغايرة"، ثمّ ذكر أنّ الحكّام على النّاس ثلاث طوائف:

1 -الّذين يحكمون على بواطن النّاس وأرواحهم وهم العلماء.

2 -الّذين يحكمون على ظواهر الخلق، وهم السّلاطين.

3 -الأنبياء الّذين يحكمون بما آتاهم اللّه من العلوم والمعارف على بواطن الخلق وظواهرهم، فهم الحكّام على الإطلاق.

ثمّ حمل (الكتاب) على العلم الكثير، و (الحكم) على أنّهم حكّام على النّاس نافذي الحكم ظاهرا، ولم يذكر النّبوّة، ثمّ قال:"و للنّاس في هذه الألفاظ الثّلاثة تفسيرات كثيرة، والمختار عندنا ما ذكرناه".

وعندنا أنّ كلامه الأوّل أمثل وأقرب إلى الصّواب.

ثمّ إنّ له كلاما طويلا بين العلم والحكم أورده في تفسير آية يوسف (64) آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، يخالف كلامه الأوّل، فلاحظ.

4 -المراد بالحكم في هذه الآيات الحكمة الإلهيّة الخاصّة بالأنبياء، كما أنّ المراد بالعلم فيها وفي أمثالها أيضا العلم الموهوب لهم، من غير فرق بينهم.

وليس المراد به القضاء الّذي ادّعى رشيد رضا أنّه خاصّ ببعض الأنبياء. وردّ عليه سيّد قطب، فلاحظ.

5 -وقد قورن الحكم والنّبوّة بالكتاب في ثلاث منها (61 - 63) كما قورن الحكمة به- كما يأتي في (76) إلى (84) - وهذا شاهد على أنّ مفاهيم هذه الألفاظ جميعا من مميّزات الأنبياء عليهم السّلام.

6 -اختصّت الآية (71) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا، بنبيّنا صلوات اللّه عليه وآله، حيث نزل القرآن عليه بلسان عربيّ مبين، فنصّ اللّه على لسانه تشريفا له، دون غيره من الأنبياء، سوى قوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ إبراهيم: 4، كما اختصّت الآية (68) ب (يحيى) عليه السّلام وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، والآية (64) ب (يوسف) عليه السّلام وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، وقد خصّت الآيتان (67) و (69) ب (موسى) عليه السّلام فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ووَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، وزاد فيها: (وَ اسْتَوى) ، ولعلّه من أجل أنّ مسؤوليّته أمام فرعون وقومه، ثمّ أمام بني إسرائيل قومه الّذين عصوه، كانت أصعب وأشقّ من مسؤوليّة يوسف أمام فرعون، وهذا جاء في توصيف اللّه إيّاه إكراما له، ولم يأت في توصيفه هو نفسه تواضعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت