المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 52
وروي"أرب ماله!".
قيل في"أرب": هو دعاء بالافتقار من الأرب، وهو الحاجة. وقيل: هو دعاء بتساقط الآراب، وهي الأعضاء.
و"ماله": بمعنى ما خطبه؟ وفيه وجه آخر لطيف، وهو أن يكون"أرب"ممّا حكاه أبو زيد من قولهم:
أرب الرّجل، إذا تشدّد وتحكّر، من تأريب العقدة، ثمّ يتأوّل بمنع، لأنّ البخل منع، فيعدّى تعديته، فيصير المعنى منع.
حديث عمر:"إنّ الحارث بن أوس سأله عن المرأة تطوف بالبيت، ثمّ تنفر من غير أن أزف طواف الصّدر إذا كانت حائضا، فأفتاه أن يفعل ذلك. فقال الحارث:"
كذلك أفتاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. فقال عمر: أربت عن ذي يديك. وروي: أربت من ذي يديك، أتسألني وقد سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كي أخالفه؟ " ومعناه منعت عمّا يصحب يديك وهو"ماله"."
ومعنى"أربت من يديك": نشأ بخلك من يديك، والأصل فيما جاء في كلامهم من هذه الأدعية الّتي هي:
قاتلك اللّه، وأخزاك اللّه، ولا درّ درّك، وتربت يداك وأشباهها، وهم يريدون المدح المفرط والتّعجّب للإشعار بأنّ فعل الرّجل أو قوله بالغ من النّدرة والغرابة المبلغ الّذي لسامعه أن يحسده وينافسه حتّى يدعوا عليه تضجّرا أو تحسّرا، ثمّ كثر ذلك حتّى استعمل في كلّ موضع استعجاب، وما نحن فيه متمحّض للتّعجّب فقط.
ويجوز أن يكون على قول من فسّر"أرب"بافتقر، وأن يجرى مجرى عدم، فيعدّى إلى المال.
وأمّا أرب فهو الرّجل ذو الخبرة والفطنة. [ثمّ استشهد بشعر] (الفائق 1: 34)
الفخر الرّازيّ: الإربة: الفعلة من الأرب كالمشية والجلسة من المشي والجلوس، والأرب: الحاجة، والولوع بالشّي ء، والشّهوة له. والإربة: الحاجة في النّساء. والإربة: العقل، ومنه الأريب. (23: 208)
ابن الأثير: في الحديث:"أنّ رجلا اعترض النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ليسأله، فصاح به النّاس، فقال: دعوا الرّجل أرب ماله".
في هذه اللّفظة ثلاث روايات:
إحداها:"أرب"بوزن علم، ومعناها الدّعاء عليه، أي أصيبت آرابه وسقطت، وهي كلمة لا يراد بها وقوع الأمر، كما يقال: تربت يداك، وقاتلك اللّه، وإنّما تذكر في معرض التّعجّب. [إلى أن قال:]
والرّواية الثّانية:"أرب ماله"بوزن جمل، أي حاجة له، و"ما"زائدة للتّقليل، أي له حاجة يسيرة.
وقيل: معناه حاجة جاءت به، فحذف، ثمّ سأل، فقال:
ماله.
والرّواية الثّالثة:"أرب"بوزن كتف، والأرب:
الحاذق الكامل، أي هو أرب، فحذف المبتدأ. ثمّ سأل، فقال: ماله، أي ماشأنه.
وفي حديث عمر:"أنّه نقم على رجل قولا قاله، فقال: أربت عن ذي يديك"أي سقطت آرابك من اليدين خاصّة.
وقال الهرويّ: معناه ذهب ما في يديك حتّى تحتاج.
وفي هذا نظر، لأنّه قد جاء في رواية أخرى لهذا الحديث: