فهرس الكتاب

الصفحة 8687 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 595

كما هو قول الكوفيّين وجماعة من البصريّين.

الثّاني: أنّه يلزم منه التّقييد بهذه الحال إذا عنى بالأنعام الثّمانية الأزواج، وتقييد إحلاله تعالى لهم هذه الثّمانية الأزواج بحال انتفاء إحلاله الصّيد وهم حرم، واللّه تعالى قد أحلّ لهم هذه مطلقا.

والثّالث: أنّه كتب (محلّى) بصيغة الجمع، فكيف يكون حالا من اللّه؟ وكأنّ هذا القائل زعم أنّ اللّفظ"محلّ"من غير ياء، وسيأتي ما يشبه هذا القول.

الوجه الخامس: أنّه منصوب على الاستثناء المكرّر، يعني أنّه هو وقوله: إِلَّا ما يُتْلى مستثنيان من شي ء واحد، وهو بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ نقل ذلك بعضهم عن البصريّين قال:"و التّقدير: إلّا ما يتلى عليكم إلّا الصّيد وأنتم محرمون، بخلاف قوله تعالى: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ الحجر: 58، على ما يأتي بيانه". قال هذا القائل:"و لو كان كذلك لوجب إباحة الصّيد في الإحرام، لأنّه مستثنى من الإباحة. وهذا وجه ساقط، فإذن معناه: أحلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلّي الصّيد وأنتم حرم إلّا ما يتلى عليكم سوى الصّيد"انتهى. [ثمّ ذكر قول أبي حيّان وردّ عليه فقال:]

وهذا الّذي ذكره واختاره وغّلط النّاس فيه ليس بشي ء، وما ذكره من توجيه ثبوت الياء خطأ ووقفا، فخطأ محض؛ لأنّه على تقدير تسليم ذلك في تلك اللّغة فأين التّنوين الّذي في"محلّ"؟ وكيف يكون فيه تنوين وهو مضاف حتّى يقول: إنّه قد يوجّه بلغة الأزد، وما ذكره من كونه يحتمل ممّا يكونون قد كتبوه كما كتبوا تلك الأمثلة المذكورة فشي ء لا يعوّل عليه، لأنّ خطّ المصحف سنّة متّبعة لا يقاس عليه، فكيف يقول:

يحتمل أن يقاس هذا على تلك الأشياء؟ وأيضا فإنّهم لم يعربوا (غير) إلّا حالا، حتّى نقل بعضهم الإجماع على ذلك، وإنّما اختلفوا في صاحب الحال، فقوله: إنّه استثناء ثان مع هذه الأوجه الضّعيفة خرق للإجماع، إلّا ما تقدّم نقله عن بعضهم من أنّه استثناء ثان، وعزاه للبصريّين، لكن لا على هذا المدرك الّذي ذكره الشّيخ. وقديما وحديثا استشكل النّاس هذه الآية، قال ابن عطيّة:

"و قد خلط النّاس في هذا الموضع في نصب (غير) وقدّروا تقديمات وتأخيرات، وذلك كلّه غير مرض، لأنّ الكلام على اطّراده فيمكن استثناء بعد استثناء".

وهذه الآية ممّا اتّضح للفصحاء البلغاء فصاحتها وبلاغتها، حتّى يحكى أنّه قيل للكنديّ:"أيّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن"فقال:"نعم أعمل لكم مثل بعضه"، فاحتجب أيّاما كثيرة، ثمّ خرج فقال:"و اللّه لا يقدر أحد على ذلك، إنّني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النّكث وحلّل تحليلا عامّا ثمّ استثنى استثناء، بعد استثناء ثمّ أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين".

والجمهور على نصب (غير) ، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه، وفيه وجهان:

أظهرهما: أنّه نعت ل (بهيمة الانعام) والموصوف ب (غير) لا يلزم فيه أن يكون مماثلا لما بعدها في جنسه، تقول:"مررت برجل غير حمار"هكذا قالوه، وفيه نظر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت