فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 610
وما كان به حاجة إلى مثل هذا التّبرير، فالإخبار بالماضي عن المستقبل مألوف في العربيّة وفي القرآن، وأبو حيّان معذور حين يردّ على الزّمخشريّ هنا بقوله:
"و أمّا سؤاله والجواب فهذا لا يسأله من له أدنى تعلّق بالنّحو، لأنّ الأخبار قد تكون بالمستقبلات".
ثمّ قال أبو حيّان: لم نحمل وَأَنْتَ حِلٌ على أنّه يحلّ لك ما تصنع في مكّة من الأسر والقتل، بل حملناه على أنّه مقيم بها خاصّة، وهو وقت النّزول كان مقيما بها ضرورة.
3 -وفي الآية قول ثالث، هو أن يكون (حلّ) من الإحلال ضدّ الإحرام، ذكره ابن القيّم في"التّبيان".
4 -وقول رابع: أنّه من الحلول بمعنى الإقامة ضدّ الظّعن، ذكره الرّاغب في"المفردات"، وكذلك ابن القيّم، وأبو حيّان- مطمئنّا إليه- ووجّهوا الآية أيضا بتأثير فكرة التّعظيم؛ فقالوا:"قسم بحرمة المكان، وبحلول الرّسول فيه، قسم بخير البقاع، وقد اشتمل على خير العباد".
وقال أبو حيّان في"البحر": أقسم بها لما جمعت من الشّرفين: شرفها بإضافتها إلى اللّه تعالى، وشرفها بحضور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها وإقامته بها، فصارت أهلا لأن يقسم بها"."
والحلّ لغة يحتمل أكثر الأقوال الّتي ذكرها المفسّرون، فيكون من الحلول ضدّ الظّعن، أو من الإحلال ضدّ الإحرام، أو من استحلال الحرمة وانتهاكها. وربّما كان آصل معنى فيه، هو حلّ العقدة، ومنه قوله تعالى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ثمّ قيل:
حللت، أي نزلت، من حلّ الأحمال عند النّزول.
وجاء الحلّ بمعنى الإحلال والاستحلال متأخّرا، ملحوظا فيه المدلول الأصيل للمادّة، وهو حلّ العقدة وفكّ القيد، وبهذا المعنى- أي الحلال- جاءت كلمة"حلّ"في القرآن، في أربع مرّات من خمس، هي كلّ ما في الكتاب الكريم من صيغة"حلّ".
والمواضع الأربعة هي:
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ المائدة: 5، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ الممتحنة: 10، كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ آل عمران: 93، وكلّها آيات مدنيّة.
والمرّة الخامسة، الّتي استعمل فيها القرآن صيغة"حلّ"في آية البلد، وهي وحدها المكّيّة.
وأكثر ما تدور المادّة في القرآن، على معنى الحلال:
ضدّ الحرام. على أنّها جاءت بمعنى الإحلال: ضدّ الإحرام، في آية المائدة: 2، وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وهي مدنيّة. كما جاءت بمعنى الحلول، أي الإقامة في آيات:
أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ الرّعد: 31.
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ إبراهيم: 28.
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ فاطر: 35.
وأصالة معنى الحلول في حلّ، تجعلنا نطمئنّ إلى تفسير آية البلد به- وهو المختار عند أبي حيّان- والمعنى