فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 611
يستقيم بهذا التّفسير، مع ملحظ من مدلول الاستحلال لحرمة الرّسول في هذا البلد، لافت إلى الأحوال الشّاخصة لهذا البلد وأهله، فكلّ ما يقع على الرّسول من إيذاء حاضر مشهود، يعانيه صلّى اللّه عليه وسلّم ويكابده؛ إذ هو موضع الأذى والاضطهاد بمكّة، وهو مقيم بها. وإنّها، لكما قال المصطفى يوم الهجرة:"لأحبّ أرض اللّه إلى اللّه ورسوله".
وبهذا الفهم نستبعد معنى الإحلال ضدّ الإحرام لظهور ضعفه؛ إذ ليس له سياق ولا مناسبة، ولا الأذهان متّجهة إليه في هذا المقام.
كما نستبعد أن يكون حلّ بمعنى مستحلّ له هذا البلد يفعل به بعد الفتح ما شاء، لظهور تكلّفه، فضلا عن كون الصّيغة لا تقبل هذا المعنى لغويّا؛ إذ يقتضي أن يكون محلّ من حلّ، وليس الاشتقاق.
وتفسير الحلّ بالإقامة، وهو المعنى المتبادر، أو بجعل أذى الرّسول حلالا- وهو أكثر استعمال القرآن للمادّة- يبدو قويّ الصّلة بالآيات التّالية، على وجه لا نضطرّ معه إلى تمزيق السّياق أو الإبعاد في التّكلّف، وبخاصّة حين تحمل آية وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ على الحاليّة، وهو ما ذهب إليه أبو حيّان؛ وليس على الاعتراض كما قال الزّمخشريّ، وتابعه على ذلك الشّيخ محمّد عبده فقال:
"و اعترض بها بين العاطف والمعطوف، ليفيد أنّ مكّة عظيم شأنها جليل قدرها في جميع الأحوال".
والقول بهذا الاعتراض يغيب عنه ما في الحاليّة من قوّة الرّبط وتقرير الصّلة بين الآيتين؛ إذ تكون الثّانية قيدا للأولى، ووصلا لها بالآية التّالية. (1: 176)
حلّا
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ... آل عمران: 93
ابن عبّاس: كلّ طعام حلال اليوم على محمّد وأمّته، كان حلالا على بني إسرائيل أولاد يعقوب. (52)
ابن قتيبة: أي حلالا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ومثله:
الحرم والحرام، واللّبس واللّباس. (107)
نحوه ابن عطيّة (1: 472) ، والقرطبيّ (4: 134) .
الزّمخشريّ: والحلّ: مصدر، يقال: حلّ الشّي ء حلّا، كقولك: ذلّت الدّابّة ذلّا، وعزّ الرّجل عزّا. وفي حديث عائشة رضي اللّه عنها:"كنت أطيّبه لحلّه وحرمه"ولذلك استوى في الوصف به المذكّر والمؤنّث، والواحد والجمع، قال اللّه تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ. (1: 445)
نحوه البيضاويّ (1: 171) ، والنّسفيّ (1: 169) ، والنّيسابوريّ (4: 7) ، وأبو حيّان (3: 3) ، والشّربينيّ (1: 232) ، وأبو السّعود (2: 3) .
الفخر الرّازيّ: [مثل الزّمخشريّ وأضاف:]
والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، فهاهنا الحلّ والحلال والمحلّل واحد، قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما في زمزم: هي حلّ وبلّ، رواه سفيان بن عيينة.
فسأل سفيان: ما حلّ؟ فقال: محلّل. (8: 148)