فهرس الكتاب

الصفحة 8744 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 652

وعليه فالآية تعني المستقبل دون الحال.

وعند الزّمخشريّ أنّها في ذلك نظير: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ الزّمر: 30، قال:"و مثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوّ، وهو في كلام اللّه أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنّه للاستقبال، وأنّ تفسيره بالحالّ محال، أنّ السّورة بالاتّفاق مكّيّة، وأين الهجرة عن وقت نزولها فما بال الفتح؟".

وردّ عليه أبو حيّان بأنّ هذا لا يسأله من له أدنى تعلّق بالنّحو، وأنّ اسم الفاعل ونحوه لا يتعيّن حمله على الحال، بل يكون للماضي تارة، وللحال أخرى، وللمستقبل أخرى، وأنّ قوله:"و كفاك دليلا قاطعا"ليس بشي ء، لأنّا حملناه على أنّه مقيم بها وقت النّزول، لا على أنّه يحلّ لك ما تصنع فيها فيما بعد، وأنّ ما حكاه من الاتّفاق على أنّها نزلت بمكّة فليس بصحيح. وقد حكي الخلاف فيها عن قول ابن عطيّة- إلى أن قال-:

"بل الظّاهر ما ذكرناه أوّلا من أنّه تعالى أقسم بها لما جمعت من الشّرفين: شرفها بإضافتها إلى اللّه تعالى، وشرفها بحضور رسول اللّه وإقامته فيها، فصارت أهلا لأن يقسم بها".

ثالثها: الحلّ بمعنى الحلال أي أنّ الكفّار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرّمات، ثمّ إنّهم مع ذلك ومع إكرام اللّه إيّاك بالنّبوّة يستحلّون إيذاءك، ولو تمكّنوا منك لقتلوك، فأنت حلّ لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك. قاله الفخر الرّازيّ، وقال أبو مسلم الأصفهانيّ:"... وأنت حلّ فيه منتهك الحرمة مستباح العرض، لا تحترم، فلم يبق للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك".

وقال الزّمخشريّ:"أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أنّ الإنسان خلق مخمورا في مكابدة المشاقّ والشّدائد- إلى أن قال- ومن المكابدة أنّ مثلك على عظم حرمتك يستحلّ بهذا البلد الحرام، كما يستحلّ الصّيد في غير الحرم".

وقال القمّيّ:"كانت قريش لا يستحلّون أن يظلموا أحدا في هذا البلد، ويستحلّون ظلمك فيه"، وقال عبده:"إنّ حلّا هنا بمعنى الحلال لا بمعنى الحلول، أي إنّ أهل مكّة استحلّوا إيذاء الرّسول في البلد الأمين حتّى اضطرّوه إلى الهجرة".

وقد روى الطّبرسيّ هذا المعنى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، واختاره كثير منهم، وهذا المعنى ينسجم أيضا مع كون السّورة مكّيّة، ويحمل على الحال دون المستقبل كالوجه الأوّل.

رابعها: وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، تعظيما منك لهذا البيت لا كالمشركين الّذين يرتكبون فيه الكفر باللّه، وتكذيب الرّسل. قاله الفخر الرّازيّ، ويحمل أيضا على الحال.

وقد أضاف الفخر الرّازيّ وجها خامسا قريبا من الوجه الأوّل:"أي وأنت من حلّ هذه البلدة المعظّمة وأهل هذا البلد، يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت