فهرس الكتاب

الصفحة 8754 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 662

وقال المفضّل: السّفه في الأصل: قلّة المعرفة بوضع الأمور مواضعها، وهو ضعف الرّأي.

قال أبو هلال: وهذا يوجب أنّه ضدّ الحلم، لأنّ الحلم من الحكمة، والحكمة وجود الفعل على جهة الصّواب.

قال المفضّل: ثمّ أجري السّفه على كلّ جهل وخفّة، يقال: سفه رأيه سفها. وقال الفرّاء: سفه غير متعدّ، وإنّما ينصب"رأيه"على التّفسير، وفيه لغة أخرى سفه يسفه سفاهة.

وقيل: السّفيه في قوله تعالى: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا البقرة: 282 هو الصّغير، وهذا يرجع إلى أنّه القليل المعرفة. والدّليل على أنّ الحلم أجري مجرى الحكمة نقيضا للسّفه قول المتلمّس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا.

* وما علم الإنسان إلّا ليعلما

أي لذي المعرفة والتّمييز.

وأصل السّفه: الخفّة، ثوب سفيه، أي خفيف.

وأصل الحلم في العربيّة: اللّين، ورجل حليم، أي ليّن في معاملته في الجزاء على السّيّئة بالأناة، وحلم في النّوم، لأنّ حال النّوم حال سكون وهدوء. واحتلم الغلام وهو محتلم وحالم يرجع إلى قولهم: حلم في النّوم.

وحلمة الثّدي: النّاتئ في طرفه لما يخرج منها من اللّبن الّذي يحلم الصّبيّ. وحلم الأديم: ثقل بالحلم، وهو قردان عظيمة ليّنة الملمس. وتحلّم الرّجل: تكلّف الحلم.

والصّبر: حبس النّفس لمصادفة المكروه، وصبر الرّجل: حبس نفسه عن إظهار الجزع، والجزع: إظهار ما يلحق المصاب من المضض والغمّ.

وفي الحديث:"يصبر الصّابر ويقتل القاتل"والصّابر هاهنا هو الّذي يصبّر النّفس عن القتل، ولا تجوز الصّفة على اللّه تعالى بالصّبر، لأنّ المضارّ لا تلحقه، وتجوز الصّفة عليه بالحلم، لأنّه صفة مدح وتعظيم.

وإذا قال قائل: اللّهمّ حلمك عن العصاة، أي إمهالك، فذلك جائز على شرائط الحكمة، من غير أن يكون فيه مفسدة، وإمهال اللّه تعالى إيّاهم مظاهرة عليهم. (164)

الفرق بين الحلم والإمهال: أنّ كلّ حلم إمهال، وليس كلّ إمهال حلما، لأنّ اللّه تعالى لو أمهل من أخذه لم يكن هذا الإمهال حلما، لأنّ الحلم صفة مدح والإمهال على هذا الوجه مذموم، وإذا كان الأخذ والإمهال سواء في الاستصلاح فالإمهال تفضّل، والانتقام عدل؛ وعلى هذا يجب أن يكون ضدّ الحلم السّفه، إذا كان الحلم واجبا، لأنّ ضدّه استفساد، فلو فعله لم يكن ظلما، إلّا أنّه لم يكن حكمة.

ألا ترى أنّه قد يكون الشّي ء سفها، وإن لم يكن ضدّه حلما، وهذا نحو صرف الثّواب عن المستحقّ إلى غيره، لأنّ ذلك يكون ظلما من حيث حرمة من استحقّه، ويكون سفها من حيث وضع في غير موضعه، ولو أعطي مثل ثواب المطيعين من لم يطع لم يكن ذلك ظلما لأحد، ولكن كان سفها، لأنّه وضع الشّي ء في غير موضعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت