فهرس الكتاب

الصفحة 8767 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 675

في كلّ شي ء مستدير عضوا أنثويّا، وفي كلّ مستطيل عضوا مذكّرا، أمّا الإنسانيّة فهي بريئة من هذا الرّأي. إنّ هذه النّظريّة الضّيّقة لا يمكن أن تكون صادقة، فالإنسان ليس عبدا للجنس فقط، وإنّما هو عبد لأكثر من لذّة، لذّة الجنس، ولذّة الحبّ، ولذّة الصّداقة، ولذّة الجمال، ولذّة المعرفة، ولذّة السّيطرة، ولذّة القوّة، ولذّة الحرّيّة، والسّعادة هي ائتلاف هذه اللّذّات في حياة منسجمة، وفي نظرة رحبة واسعة الأفق"."

والّذي نراه أنّ الأحلام على أنواع:

منها: ما هو انعكاس لعادات الإنسان وتفكيره، كالفيلسوف يرى أنّه يناقش أفلاطون وأرسطو، والمسلم يصلّي في المسجد، والمسيحيّ يصلّب في الكنيسة، والفّلاح يزرع، والباني يبني، وما أشبه ذلك.

وهذا النّوع واضح ولا يختلف فيه اثنان، لأنّه يحمل تفسيره معه.

ومنها: ما هو غريب عن حياة الحالم وتفكيره، كرؤيا الملك البقرات والسّنبلات وما هو فلّاح، ولا براعي بقر، وجاءت رؤياه إنذارا بما حدث من الجدب بعد الخصب.

ومنها: ما يقع في اليقظة تماما، كما رآه الإنسان في منامه دون زيادة أو نقصان. وهذا نادر جدّا، ولكنّه حدث قطعا، وحتّى الآن لم يهتد العلم إلى تفسير هذا النّوع والنّوع الّذي قبله، وقد يهتدي إليه في المستقبل القريب أو البعيد. وفسّرهما البعض بالصّدفة، وليس من شكّ أنّ الصّدقة هي ملجأ العجزة. وقال آخر: إنّهما نتيجة لحاسّة في الإنسان نجهل كنهها، وهذا أيضا من العجز.

وفي سنة (1956) رأيت فيما يرى النّائم المرحوم أخي الشّيخ عبد الكريم، وكان قد مضى على وفاته عشرون سنة، وأخبرني عمّا سيحدث وعيّن الوقت، فكان كما قال ... وبعد هذا بسنوات رأيت رؤيا فصدقت، وكانت سوء كالأولى، فقلت لصديق لي مداعبا: إنّ رؤيا الشّرّ تصدق، دون رؤيا الخير. وحين وصلت في التّفسير إلى أوّل سورة يوسف، قرأت هذه العبارة للرّازيّ:"اعلم أنّ الحكماء يقولون: إنّ الرّؤيا الرّديئة يظهر تفسيرها عن قريب"فتعجّبت، وتذكّرت قول الشّاعر البائس:

فإن أر خيرا في المنام فنازح ... وإن أر شرّا فهو منّي مقرّب

والخلاصة: أنّه لا يوجد ضابط كلّيّ يمكن الاعتماد عليه في تفسير الأحلام بكاملها، لأنّها أنواع متضادّة متباينة، فمنها: صدى لوساوس النّفس وظروفها، وهذا النّوع واضح بوضوح مصدره. ومنها: ما هو صورة طبق الأصل عن الحادث الّذي يقع في اليقظة بعد الحلم، وهذا النّوع نجهل سرّه ومصدره. ومنها: ما هو رموز وإشارات مسبقة إلى الواقع المحسوس قبل وقوعه، كالكواكب الّتي سجدت ليوسف، والخبز الّذي حمله الفتى المسجون فوق رأسه، والبقرات والسّنبلات الّتي رآها ملك مصر، وهذا كسابقه لا نعرف له سرّا ولا مصدرا. أمّا من قال: بأنّ هذا النّوع والّذي قبله بشرى من اللّه، أو حاسّة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت