فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 677
فهذه خمس مرّات من استعمال القرآن للرّؤيا من الأنبياء. والمرّتان الأخريان في رؤيا العزيز وقد صدقت، وفي آيتها عبّر عنها القرآن مرّتين على لسان الملك بالرّؤيا، لوضوحها في منامه وجلائها وصفائها، وإن بدت للملأ من قومه هواجس أوهام وأضغاث أحلام، وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ... * قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ يوسف: 43، 44، وتمضي القصّة في سياقها القرآنيّ، فإذا رؤيا الملك صادقة الإلهام، وليست كما بدت للملأ من قومه أضغاث أحلام. (الإعجاز البيانيّ: 198)
المصطفويّ: أي أمور مشوّشة متفرّقة تتراءى في النّوم، ويراها النّائم حين اطمأنّ واستراح عن اضطراب اليقظة، يريد أنّ هذه الرّؤيا بمقتضى حصول حالة السّكون والطّمأنينة، ثمّ انتقاش الصّور المتشتّة في النّفس. وهذا المعنى هو الموجب في هذا التّعبير دون كلمة رؤيا النّائم، فإنّ منها الرّؤيا الصّادقة. (2: 296)
مكارم الشّيرازيّ: الأحلام: جمع حلم، على وزن"رخم"معناه الطّيف والرّؤيا، فيكون معنى أَضْغاثُ أَحْلامٍ هو الأطياف المختلطة، فكأنّها متشكّلة من مجموعة مختلفة ومتفاوتة من الأشياء، وجاءت كلمة (الاحلام) في جملة وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ مسبوقة بالألف واللّام العهديّة، وهي إشارة إلى أنّ المعبّرين غير قادرين على تأويل مثل هذه الأحلام.
ومن اللّازم ذكر هذه المسألة الدّقيقة، وهي: أنّ إظهار عجز أولئك في الحقيقة كان من أجل أنّ المفهوم الواقعيّ لهذه الرّؤيا عندهم غير واضح، ولذلك عدوّها ضمن الأحلام المختلطة والأضغاث حيث قسّموا الأحلام إلى قسمين:
أحلام ذات معنى، وهي قابلة للتّعبير.
وأحلام مختلطة لا معنى لها لم يجدوا لها تعبيرا وتأويلا. وكانوا يعدّون هذا النّوع نتيجة قوّة الخيال، على العكس من النّوع الأوّل الّذي يعدّونه نتيجة اتّصال الرّوح بعالم الغيب.
كما أنّ هناك احتمالا آخر واردا، وهو أنّهم توقّعوا أن تقع حوادث مزعجة في المستقبل، وما اعتاد عليه حاشية الملوك والطّغاة هو ذكر المسائل المريحة لهم فحسب، وكما يصطلح عليه ما فيه طيب الخاطر، ويمتنعون عن ذكر ما يزعجهم، وهذا أحد أسباب سقوط مثل هذه الحكومات المتجبّرة.
هنا يرد سؤال، وهو: كيف تجرّأ هؤلاء أمام السّلطان، بقولهم جوابا لسؤاله عن رؤياه: إنّها أَضْغاثُ أَحْلامٍ في حين أنّ المعروف عند حاشية السّلطان أن تفلسف كلّ حركة منه ولو كانت بغير معنى، ويفسّرونها تفسيرا مقبولا؟!
من الممكن أنّهم رأوا الملك مهموما من هذه الرّؤيا، وكان من حقّه ذلك، لأنّه رأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يوسف: 43، ألّا يدلّ ذلك على أنّ من الممكن أنّ أفرادا ضعافا يتسلّمون السّلطة من يده على