فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 678
حين غرّة، لذلك قالوا له: أَضْغاثُ أَحْلامٍ ليرفعوا الكدورة عن خاطره، أي لا تتأثّر فما هنالك أمر مهمّ، وهذه الأحلام لا يمكن أن تكون دليلا على أيّ شي ء.
وهناك احتمال آخر يذكره المفسّرون، وهو أنّ مرادهم من أَضْغاثُ أَحْلامٍ لم يكن أنّ هذه الأحلام لا تأويل لها، بل المراد أنّ مثل هذه الأحلام ملتوية ومجموعة من أمور مختلفة، وهم غير قادرين على تأويل. مثل هذه الأحلام، فهم لم ينكروا إمكان وجود أستاذ ماهر وقادر على تأويل هذه الرّؤيا، وإنّما أظهروا عجزهم عن التّعبير والتّأويل فحسب. (7: 199)
فضل اللّه: هل للأحلام حقيقة في الواقع؟ وربّما كان في هذا الفهم بعض الصّواب نستوحيه من قصّة يوسف الّتي توحي بأنّ للأحلام عمقا في حركة الواقع الإنسانيّ، ومدلولا حقيقيّا في ما يعنيه الرّمز الحيّ، للحاضر والمستقبل، وفي ما نفهمه من أنّ معرفة أسرارها تحتاج إلى إلهام ربّانيّ، يلهم اللّه فيه بعض عباده، ما يستطيعون به تحليل تفاصيلها، وتوضيح مبهماتها، فقد يعطي اللّه بعضهم سعة المعرفة في ذلك كلّه، وقد يمنح البعض القليل من ذلك، وربّما لا يستطيع الإنسان الجزم دائما، بأنّ هناك قواعد ثابتة لمعرفة طبيعة الرّمز وعلاقته بالواقع، على الشّكل المطلق، فقد تختلف القضيّة حسب اختلاف الأجواء المحيطة بالرّمز، ودلالته من حيث الشّخص والزّمان والمكان، في ما يتّسع فيه الأمر لأكثر من احتمال.
ولكن هل معنى ذلك، أنّ للمسألة بعدا كلّيّا يفرض وجود حقيقة مع كلّ حلم، أو أنّ للمسألة بعدا جزئيّا في هذا المجال؟ فقد تكون بعض الأحلام، ردّ فعل لحالة نفسيّة، أو غذائيّة أو عمليّة، أو استذكارا لأوضاع ماضية في حياته، ممّا يجعلها صورة لما تختزنه النّفس من مشاعر، وأفكار وانفعالات، أو لما يعيشه الجسد من حاجات.
ليس لدينا ما يؤكّد الشّموليّة الكلّيّة للمسألة، بل قد نجد أنّ العكس هو الصّحيح في ما نراه من عدم الصّدق في الكثير من الأحلام، وارتباط بعضها بالعوامل الذّاتيّة الخاصّة.
أمّا حول طبيعة القاعدة العمليّة الّتي تخضع لها الرّؤيا، وتصلح مقياسا لصدقها أو كذبها، فإنّنا لم نقف لها على أساس ثابت، بل ليس هناك سوى الحدس والتّخمين، أو التّعليلات المنطلقة من إخضاع الإنسان لنظريّة العامل الواحد، كما نلاحظ في التّعليل الّذي يقدّمه فرويد، والّذي يعطي الأحلام مداليل جنسيّة، تتحوّل فيها رموز الأحلام إلى رموز للأعضاء التّناسليّة، أو الحالات الجنسيّة وما إلى ذلك، ارتكازا على نظريّته.
ولكن مثل هذه الاحتمالات أو النّظريّات لا ترتكز على أساس قطعيّ لها، يجعلها في دائرة الحقيقة العلميّة، كما لا تنطلق من حجج علميّة مقنعة تجعلها في نطاق النّظريّة العلميّة المعقولة، ولهذا فإنّنا لا نستطيع الجزم بشي ء من هذا القبيل، تجاه ما نشاهده أو ينقل إلينا من أحلام، إلّا من خلال النّتائج الّتي نواجهها في المستقبل، ممّا يتطابق مع صورة المنام، أو نجدها في واقعنا الحاضر.