فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 693
وأمّا وصفه بهما على الحقيقة فيأباه مقام الاستهزاء، اللّهمّ إلّا أن يراد بالصّلاة الدّين، كما قيل. (3: 342)
البروسويّ: الأحمق السّفيه بلغة مدين، كما في"ربيع الأبرار". وقال في"الكواشي": تتعاطى الحلم والرّشد ولست كذلك، أي ما أنت بحليم ولا رشيد فيما تأمرنا وترشدنا إليه.
وقال أكثر أهل التّفسير: أرادوا السّفيه الضّالّ الغاوي، فتهكّموا به كما يتهكّم بالشّحيح، فيقال: لو أبصرك حاتم لتعلّم منك الجود. وبالمستجهل والمستخفّ، فيقال: يا عالم يا حليم. فهو إذا من قبيل الاستعارة التّبعيّة، نزّلوا التّضادّ منزلة التّناسب على سبيل الهزؤ، فاستعاروا الحلم والرّشد للسّفه والغواية، ثمّ سرت الاستعارة منهما إلى الحليم الرّشيد. (4: 174)
الآلوسيّ: وصفوه عليه السّلام بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التّهكّميّة، فالمراد بهما ضدّ معناهما، وهذا هو المرويّ عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، وإليه ذهب قتادة والمبرّد.
وجوّز أن يكونوا وصفوه بذلك بناء على الزّعم، والجملة تعليل لما سبق من استبعاد ما ذكروه، كأنّهم قالوا: كيف تكلّفنا بما تكلّفنا مع أنّك أنت الحليم الرّشيد بزعمك.
وقيل: يجوز أن يكون تعليلا باقيا على ظاهره، بناء على أنّه عليه السّلام كان موصوفا عندهم بالحلم والرّشد، وكان ذلك بزعمهم مانعا من صدور ما صدر منه عليه السّلام.
ورجّح الأوّل بأنّه الأنسب بما قبله، لأنّه تهكّم أيضا، ورجّح الأخير بأنّه يكون الكلام عليه نظير ما مرّ في قصّة صالح عليه السّلام، من قولهم له: قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا هود: 62. (12: 118)
رشيد رضا: الحليم: العاقل الكامل في أناته وتروّيه، فلا يتعجّل بأمر قبل الثّقة من صحّته.
والرّشيد: الرّاسخ في هدايته وهديه، فلا يأمر إلّا بما استبان له من الخير والرّشد. ووصفه بهما وصفا مؤكّدا بالجملة الاسميّة، و"إنّ"و"اللّام"في تعليل إنكارهم لما أمرهم به وما نهاهم عنه، كلاهما صريح في الاستهزاء به، والتّعريض بما يعتقدون من اتّصافه بضدّهما، وهو الجهالة والسّفه في الرّأي، والغواية في الفعل بهوس الصّلاة.
الطّباطبائيّ: إنّ قولهم: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ...
إلى قوله: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ مبنيّ على التّهكّم والاستهزاء، إلّا أنّ التّهكّم في تعليقهم أمر الصّلاه شعيبا على تركهم ما يعبد آباؤهم، وكذا في نسبة الأمر إلى الصّلاة لا غير.
وأمّا نسبة الحلم والرّشد إليه فليس فيها تهكّم واستهزاء، ولذلك أكّد قوله: إِنَّكَ لَأَنْتَ ... ب"إنّ"و"اللّام"وإتيان الخبر جملة اسميّة، ليكون أقوى في إثبات الحلم والرّشد له، فيصير أبلغ في ملامته والإنكار عليه، وأنّ الّذي لا شكّ في حلمه ورشده قبيح عليه أن يقدم على مثل هذا الأمر السّفهيّ، وينتهض على سلب حرّيّة النّاس واستقلالهم، في الشّعور والإرادة.
وظهر بذلك أنّ ما ذكره كثير منهم أنّهم وصفوه