فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 761
الأئمّة يتأوّل القرآن فإنّ له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما: هذا، والثّاني: في تأويل قوله تعالى:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ القيمة: 22، 23، قال: تنتظر الثّواب، ليس من النّظر.
قلت: ذكر هذا في باب ابن شهاب في حديث التّنزيل. وروى عن مجاهد أيضا في هذه الآية قال:
يجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل؛ لأنّ اللّه تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلّها والعرش قائما بذاته، ثمّ خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكلّ أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسّا، أو كان العرش له مكانا. قيل: هو الآن على الصّفة الّتي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزّمان؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمّد على العرش أو على الأرض، لأنّ استواء اللّه تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزّوال وتحويل الأحوال من القيام والعقود والحال الّتي تشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف.
وليس إقعاده محمّدا على العرش موجبا له صفة الرّبوبيّة أو مخرجا له عن صفة العبوديّة، بل هو رفع لمحلّه وتشريف له على خلقه. وأمّا قوله في الأخبار:"معه"فهو بمنزلة قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ الأعراف:
206، ورَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ التّحريم:
11، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ العنكبوت: 69، ونحو ذلك. كلّ ذلك عائد إلى الرّتبة والمنزلة والحظوة والدّرجة الرّفيعة، لا إلى المكان.
الرّابع: إخراجه من النّار بشفاعته من يخرج؛ قاله جابر بن عبد اللّه، ذكره مسلم. وقد ذكرناه في كتاب"التّذكرة"، واللّه الموفّق.
اختلف العلماء في كون القيام باللّيل سببا للمقام المحمود على قولين:
أحدهما: أنّ البارئ تعالى يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفة بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة.
الثّاني: أنّ قيام اللّيل فيه الخلوة مع البارئ والمناجاة دون النّاس، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود. ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، فأجلّهم فيه درجة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فإنّه يعطى ما لا يعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد. و (عسى) من اللّه عزّ وجلّ واجبة. و (مقاما) نصب على الظّرف، أي في مقام أو إلى مقام. وذكر الطّبريّ عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"المقام المحمود هو المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي".
فالمقام: الموضع الّذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك. (10: 309)
البيضاويّ: مقاما يحمده القائم فيه وكلّ من عرفه، وهو منطلق في كلّ مقام يتضمّن كرامة، والمشهور أنّه مقام الشّفاعة. [إلى أن قال:]
ولإشعاره بأنّ النّاس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلّا مقام الشّفاعة. وانتصابه على الظّرف بإضمار فعله، أي فيقسمك مقاما، أو بتضمين (يبعثك) معناه أو الحال بمعنى