فهرس الكتاب

الصفحة 8855 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 763

له قولين مهجورين عند أهل العلم، أحدهما: تأويل المقام المحمود بهذا الإجلاس، والثّاني: تأويل إلى ربّها ناظرة بانتظار الثّواب.

وذكر النّقّاش عن أبي داود السّجستانيّ أنّه قال:

من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متّهم، فما زال أهل العلم يحدّثون به، قال ابن عطيّة: أراد من أنكره على تأويله فهو متّهم، وقد يؤوّل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم يجلسني معه على رفع محلّه وتشريفه على خلقه كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ الأعراف: 206، وقوله سبحانه حكاية: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا التّحريم: 11، وقوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ العنكبوت: 69، إلى غير ذلك ممّا هو كناية عن المكانة لا عن المكان.

وأنت تعلم أنّه لا ينبغي لمجاهد ولا لغيره أن يفسّر المقام المحمود بالإجلاس على العرش حسبما سمعت، من غير أن يثبت عنده ذلك الإجلاس في خبر، كخبر الدّيليّ عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال:"قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله سبحانه: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ إلخ يجلسني معه على السّرير"فإن تمسّك المفسّر بهذا أو نحوه لم يناظر إلّا بالطّعن في صحّته، وبعد إثبات الصّحة لا مجال للمؤمن إلّا التّسليم، وما ذكره الواحديّ لا يستلزم عدم الصّحّة، فكم.

وكم من حديث نصّوا على صحّته ويلزم من ظاهره المحال، كحديث أبي سعيد الخدريّ المشتمل على رؤية المؤمنين اللّه عزّ وجلّ، ثمّ إتيانه إيّاهم في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها، وقوله تعالى لهم: أَنَا رَبُّكُمْ* وقولهم:

نعوذ باللّه تعالى منك حتّى يكشف لهم عن ساق فيسجدون ثمّ يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في صورته الّتي رأوه فيها أوّل مرّة، وهو في الصّحيحين، وحديث لقيط بن عامر المشتمل على قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:"تلبثون ما لبثتم ثمّ يتوفّى نبيّكم ثمّ تلبثون ما لبثتم ثمّ تبعث الصّائحة- لعمر إلهك- لا تدع على ظهرها شيئا إلّا مات والملائكة الّذين مع ربّك عزّ وجلّ، فأصبح ربّك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد"الحديث، وقد رواه أئمّة السّنّة في كتبهم وتلقّوه بالقبول وقابلوه بالتّسليم والانقياد إلى ما لا يحصى من هذا القبيل، ومذاهب المحدّثين وأهل الفكر من العلماء في الكلام على ذلك ممّا لا تخفى، ومتى أجريت هناك فلتجر هنا فالكلّ قريب من قريب.

والصّوفيّة يقولون: إنّ للّه عزّ وجلّ الظّهور فيما يشاء على ما يشاء، وهو سبحانه في حال ظهوره. باق على إطلاقه حتّى عن قيد الإطلاق، فإنّه العزيز الحكيم، ومتى ظهر جلّ وعلا في صورة أجريت عليه سبحانه أحكامها من حيث الظّهور، فيوصف عزّ مجده عندهم بالجلوس ونحوه من تلك الحيثيّة، وينحلّ بذلك أمور كثيرة إلّا أنّه مبنيّ على ما دون إثباته خرط القتاد.

ويردّ على ما ذكره الواحديّ في الوجه الثّالث أنّ المقام وإن كان في الأصل بمعنى محلّ القيام، إلّا أنّه شاع في مطلق المحلّ ويطلق على الرّتبة والشّرف، وعلى ما ذكره في الوجه الأوّل أنّه ليس هناك إلّا تفسير المقام المحمود بالإجلاس. لا تفسير البعث بالإجلاس". نعم فيه مسامحة، والمراد أنّ إحلاله في المحلّ المحمود هو إجلاسه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت