فهرس الكتاب

الصفحة 8856 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 764

على العرش، وهذا المعنى يتأتّى بإبقاء البعث على معناه وتقدير"فيقيمك"بمعنى فيحلّك وبتفسيره بالإقامة بمعنى الإحلال، وقد يقال: لا مسامحة، والمراد من المقام:

الرّتبة، والبعث متضمّن معنى الإعطاء، أي عسى يعطيك ربّك رتبة محمودة وهي إجلاسه إيّاك على عرشه باعثا.

وما ذكره في الوجه الثّاني حقّ لو أريد من الجلوس على العرش ظاهره، إن أريد معنى آخر فلا نسلّم اللّازم، وباب التّأويل واسع، وقد أوّل الإجلاس معه على رفع المحلّ والتّشريف وهو مقول بالتّشكيك، فمتى صحّ أنّ أهل الجنّة كلّهم يجلسون معه آمنا به مع إثبات المزيّة للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فاندفع ما ذكره في الوجه الرّابع، ويردّ على ما في الوجه الخامس: أنّ الإجلاس معه لم يفهم من مجرّد البعث، وما ادّعى أحد ذلك فكون بعث السّلطان فلانا يفهم منه أنّه أرسله إلى قوم لإصلاح مهمّاتهم، ولا يفهم منه أنّه أجلسه مع نفسه لا يضرّنا، كما لا يخفى على منصف.

وبالجملة كلّ ما قيل أو يقال لا يصغى إليه إن صحّ التّفسير عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لكن يبقى حينئذ أنّه يلزم التّعارض بين ظواهر الرّوايات، ومن هنا قال بعضهم:

المراد بالمقام المحمود: ما ينتظم كلّ مقام يتضمّن كرامة له صلّى اللّه عليه وسلّم، والاقتصار في بعض الرّوايات على بعض لنكتة نحو ما مرّ.

ووصفه بكونه (محمودا) إمّا باعتبار أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحمد اللّه تعالى عليه أبلغ الحمد، أو باعتبار أنّ كلّ من يشاهده يحمده، ولم يشترط أن يكون الحمد في مقابلة النّعمة، ويدخل في هذا كلّ مقام له صلّى اللّه عليه وسلّم محمود في الجنّة.

وكذا يدخل فيه ما جوّز مفتي الصّوفيّة سيّدي شهاب الدّين السّهرورديّ أن يكون المقام المحمود وهو إعطاؤه عليه السّلام مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق أصلا، فإنّه ذكر في رسالة له في العقائد أنّ علم عوامّ المؤمنين يكون يوم القيامة كعلم علمائهم في الدّنيا، ويكون علم العلماء إذ ذاك كعلم الأنبياء عليهم السّلام ويكون علم الأنبياء كعلم نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم، ويعطى نبيّنا عليه السّلام من العلم ما لم يعط أحد من العالمين، ولعلّه المقام المحمود، ولم أر ذلك لغيره عليه الرّحمة واللّه تعالى أعلم.

ثمّ هذا الاختلاف في المقام المحمود هنا لم يقع فيه في دعاء الأذان، بل ادّعى العلّامة ابن حجر الهيتميّ أنّه فيه مقام الشّفاعة العظمى لفصل القضاء اتّفاقا، فتأمّل في هذا المقام، واللّه تعالى وليّ الإنعام والإفهام. (15: 142)

المراغيّ: [ذكر الرّوايات في الشّفاعة ثمّ قال:]

وسرّ هذا أنّ الهداة في الأرض، وهم الأنبياء ومن سلك نهجهم من الأئمّة والعلماء، لا تشرق قلوبهم إلّا بتوجّههم إلى اللّه في أوقات الصّلوات، فإذا قاموا للخلق داعين أشرقت مرايا نفوسهم الصّافية على ما يدعونهم من العباد، فتضي ء نفوسهم، فيستجيبون لدعوتهم، ويكون لهم المقام المحمود بينهم، والثّناء العظيم الّذي هم له أهل، إلى أنّهم يحسّون في أنفسهم سرورا ولذّة وبهجة ورضا، فيحمدون مقامهم كما حمدهم النّاس من حولهم، واللّه والملائكة من فوقهم.

لا جرم أنّ هذا المقام المحمود بالرّشد والإرشاد يتبعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت