فهرس الكتاب

الصفحة 8870 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 778

أخلاقه وأفعاله وأقواله. وخصّ لفظة (أحمد) فيما بشّر به عيسى تنبيها أنّه أحمد منه ومن الّذين قبله، انتهى.

ويوافقه ما في"كشف الأسرار"من أنّ الألف فيه للمبالغة في الحمد، وله وجهان:

أحدهما: أنّه مبالغة من الفاعل، أي الأنبياء كلّهم حامدون للّه تعالى، وهو أكثر حمدا من غيره.

والثّاني: أنّه مبالغة من المفعول، أي الأنبياء كلّهم محمودون، لما فيهم من الخصال الحميدة، وهو أكثر مناقب وأجمع للفضائل والمحاسن الّتي يحمد بها، انتهى.

ز صد هزار محمّد كه در جهان آيد ... يكى بمنزلت وفضل مصطفى نرسد

قال ابن الشّيخ في حواشيه: يحتمل أن يكون أحمد منقولا من الفعل المضارع، وأن يكون منقولا من صفة، وهي أفعل التّفضيل، وهو الظّاهر، وكذا محمّد فإنّه منقول من الصّفة أيضا، وهو في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتّكرار، فإنّه محمود في الدّنيا بما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة، ومحمود في الآخرة بالشّفاعة.

وقال الإمام السّهيليّ في كتاب"التّعريف والأعلام": أحمد اسم علم منقول من صفة لا من فعل، وتلك الصّفة"أفعل"الّتي يراد بها التّفضيل، فمعنى (أحمد) أحمد الحامدين لربّه عزّ وجلّ، وكذلك قال هو في المعنى، لأنّه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله، فيحمد ربّه بها، وكذلك يعقد لواء الحمد.

وأمّا محمّد فمنقول من صفة أيضا، وهو في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتّكرار، فمحمّد هو الّذي حمد مرّة بعد مرّة، كما أنّ المكرّم من أكرم مرّة بعد مرّة، وكذلك الممدّح ونحو ذلك. فاسم محمّد مطابق لمعناه، واللّه تعالى سمّاه به قبل أن يسمّي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوّته إذ كان اسمه صادقا عليه، فهو محمود في الدّنيا بما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشّفاعة، فقد تكرّر معنى الحمد كما يقتضي اللّفظ.

ثمّ إنّه لم يكن محمّدا حتّى كان حمد ربّه فنبّأه وشرّفه، ولذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الّذي هو محمّد، فذكره عيسى عليه السّلام فقال: اسْمُهُ أَحْمَدُ وذكره موسى عليه السّلام حين قال له ربّه: تلك أمّة أحمد، فقال: اللّهمّ اجعلني من أمّة أحمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمّد، لأنّ حمده لربّه كان قبل حمد النّاس، فلمّا وجد وبعث كان محمّدا بالفعل. وكذلك في الشّفاعة يحمد ربّه بالمحامد الّتي يفتحها عليه، فيكون أحمد النّاس لربّه ثمّ يشفع، فيحمد على شفاعته.

فانظر كيف كان ترتّب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذّكر، وفي الوجود، وفي الدّنيا، وفي الآخرة تلح لك الحكمة الإلهيّة في تخصيصه بهذين الاسمين، وانظر كيف أنزلت عليه سورة الحمد وخصّ بها دون سائر الأنبياء، وخصّ بلواء الحمد، وخصّ بالمقام المحمود، وانظر كيف شرّع له سنّة وقرآنا أن يقول عند اختتام الأفعال وانقضاء الأمور: الحمد للّه ربّ العالمين. قال اللّه تعالى:

وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الزّمر: 75، وقال أيضا: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت