فهرس الكتاب

الصفحة 8895 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 803

المكافأة، وأمّا الثّاني فهو إتعاب للغير ابتداء، وذلك يوجب الظّلم.

الثّاني: قالوا: الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد، وغير نافع للمحمود، لأنّه كامل لذاته، والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره، فثبت أنّ الاشتغال بهذا التّحميد عبث وضرر، فوجب أن لا يكون مشروعا.

الثّالث: أنّ معنى الإيجاب هو أنّه لو لم يفعل لاستحقّ العقاب، فإيجاب حمد اللّه تعالى معناه أنّه قال: لو لم تشتغل بهذا الحمد لعاقبتك، وهذا الحمد لا نفع له في حقّ اللّه، فكان معناه أنّ هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد، ولو تركته لعاقبتك أبد الآباد، وهذا لا يليق بالحكيم الكريم.

الفريق الثّاني: قالوا: الاشتغال بحمد اللّه سوء أدب من وجوه:

الأوّل: أنّه يجري مجرى مقابلة إحسان اللّه بذلك الشّكر القليل.

والثّاني: أنّ الاشتغال بالشّكر لا يتأتّى إلّا مع استحضار تلك النّعم في القلب، واشتغال القلب بالنّعم يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم.

الثّالث: أنّ الثّناء على اللّه تعالى عند وجدان النّعمة يدلّ على أنّه إنّما أثنى عليه، لأجل الفوز بتلك النّعم؛ وذلك يدلّ على أنّ مقصوده من العبادة والحمد والثّناء، الفوز بتلك النّعم، وهذا الرّجل في الحقيقة معبوده ومطلوبه إنّما هو تلك النّعمة وحظّ النّفس، وذلك مقام نازل، واللّه أعلم. (1: 218)

أمّا لطائف قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ فأربع نكت:

النّكتة الأولى: روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام سأل ربّه وقال: يا ربّ، ما جزاء من حمدك، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ؟ فقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاتحة الشّكر وخاتمته. قال أهل التّحقيق: لمّا كانت هذه الكلمة فاتحة الشّكر جعلها اللّه فاتحة كلامه، ولمّا كانت خاتمته جعلها اللّه خاتمة كلام أهل الجنّة، فقال: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يونس: 10.

وروي عن عليّ عليه السّلام، أنّه قال:"خلق اللّه العقل من نور مكنون مخزون من سابق علمه، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزّهد رأسه، والحياء عينه، والحكمة لسانه، والخير سمعه، والرّأفة قلبه، والرّحمة همّه، والصّبر بطنه، ثمّ قيل له: تكلّم، فقال: الحمد للّه الّذي ليس له ندّ، ولا ضدّ، ولا مثل، ولا عدل، الّذي ذلّ كلّ شي ء لعزّته، فقال الرّبّ: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقا أعزّ عليّ منك".

وأيضا نقل أنّ آدم عليه السّلام لمّا عطس فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فكان أوّل كلامه ذلك.

إذا عرفت هذا، فنقول: أوّل مراتب المخلوقات هو العقل، وآخر مراتبها آدم، وقد نقلنا أوّل كلام العقل هو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وأوّل كلام آدم هو قوله: (الحمد) ، فثبت أنّ أوّل كلام لفاتحة المحدثات هو هذه الكلمة، وأوّل كلام لخاتمة المحدثات هو هذه الكلمة، فلا جرم جعلها اللّه فاتحة كتابه، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

وأيضا ثبت أنّ أوّل كلمات اللّه قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وآخر أنبياء اللّه محمّد رسول اللّه، وبين الأوّل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت