فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 806
خصّصت به الحمد، لأنّه على نعمة من النّعم.
قال بعض العلماء: إنّ الشّكر أعمّ من الحمد، لأنّه باللّسان وبالجوارح والقلب؛ والحمد إنّما يكون باللّسان خاصّة. وقيل: الحمد أعمّ، لأنّ فيه معنى الشّكر ومعنى المدح، وهو أعمّ من الشّكر، لأنّ الحمد يوضع موضع الشّكر ولا يوضع الشّكر موضع الحمد.
وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: الحمد للّه كلمة كلّ شاكر، وإنّ آدم عليه السّلام قال حين عطس: الحمد للّه. وقال اللّه نوح عليه السّلام: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ المؤمنون: 28، وقال إبراهيم عليه السّلام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إبراهيم:
39، وقال في قصّة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ النّمل:
15، وقال لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا الإسراء: 111. وقال أهل الجنّة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ فاطر: 34، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يونس: 10، فهي كلمة كلّ شاكر.
قلت: الصّحيح أنّ الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشّكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان. وعلى هذا الحدّ قال علماؤنا: الحمد أعمّ من الشّكر، لأنّ الحمد يقع على الثّناء وعلى التّحميد وعلى الشّكر؛ والجزاء مخصوص إنّما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا؛ فصار الحمد أعمّ في الآية، لأنّه يزيد على الشّكر. ويذكر الحمد بمعنى الرّضا؛ يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قوله تعالى: مَقامًا مَحْمُودًا.
وقال عليه السّلام:"أحمد إليكم غسل الإحليل"أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصّادق في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد، لأنّ الحمد حاء وميم ودال؛ فالحاء من الوحدانيّة، والميم من الملك، والدّال من الدّيموميّة؛ فمن عرفه بالوحدانيّة والدّيموميّة والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد للّه.
وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: هو على ثلاثة أوجه: أوّلها: إذا أعطاك اللّه شيئا تعرف من أعطاك. والثّاني: أن ترضى بما أعطاك.
والثّالث: ما دامت قوّته في جسدك ألّا تعصيه؛ فهذه شرائط الحمد.
السّادسة: أثنى اللّه سبحانه بالحمد على نفسه، وافتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره؛ بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيّه عليه السّلام، فقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى النّجم: 32.
وقال عليه السّلام:"احثوا في وجوه المدّاحين التّراب"رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في"النّساء"إن شاء اللّه تعالى.
فمعنى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي سبق الحمد منّي لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلّة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل. قال علماؤنا: فيستقبّح من المخلوق الّذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضارّ. وقيل: لمّا علم سبحانه عجز عباده عن