فهرس الكتاب

الصفحة 8914 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 821

على فرد آخر، فيستعمله أهل اللّسان في ذلك الفرد، حتّى إذا استمرّ ولم يطّلع على إطلاقه على فرد آخر ظنّ أنّه موضوع لخصوصه، كما في"الميزان"، فإنّه في الأصل موضوع لآلة الوزن، ثمّ من لم يطّلع إلّا على ماله لسان وعمود ربّما يجزم بأنّه موضوع له فقط، ولا يدري أنّ وراء ذلك موازين.

ومثل هذا يجري في كثير من الألفاظ والأمر في المشتقّات، لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة، لظهوره بالرّجوع إلى قاعدة الاشتقاق، وفي غيرها ربّما يشتبه على الجماهير، وبذلك يفوت كثير من حقائق الكتاب والسّنّة، فإنّ أكثرهما وارد على أصل اللّغة.

وعلى ذلك فقس الحمد، فإنّ حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال، ولمّا كان الإظهار القوليّ أظهر أفراده وأشهرها عند العامّة، شاع استعمال لفظ الحمد فيه، حتّى صار كأنّه مجاز في غيره، مع أنّه بحسب الأصل أعمّ، بل الإظهار الفعليّ أقوى وأتمّ، فهو بهذا الاسم أليق وأولى، كما هو شأن القول بالتّشكيك.

وفرّقوا بين الحمد والمدح بأمور:

أحدها: أنّ الحمد يختصّ بالثّناء على الفعل الاختياريّ لذوي العلم، والمدح يكون في الاختياريّ وغيره ولذوي العلم وغيرهم، كما يقال: مدحت اللّؤلؤة على صفائها.

وثانيها وثالثها: أنّ الحمد يشترط صدوره عن علم لاظنّ، وأن تكون الصّفات المحمودة صفات كمال.

والمدح قد يكون عن ظنّ وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص مّا.

ورابعها: أنّ في الحمد من التّعظيم والفخامة ما ليس في المدح، وهو أخصّ بالعقلاء والعظماء، وأكثر إطلاقا على اللّه تعالى.

وخامسها: أنّ الحمد إخبار عن محاسن الغير مع المحبّة، والإجلال والمدح إخبار عن المحاسن، ولذا كان الحمد إخبارا يتضمّن إنشاء، والمدح خبرا محضا.

وسادسها: أنّ الحمد مأمور به مطلقا، ففي الأثر:

"من لم يحمد النّاس لم يحمد اللّه"والمدح ليس كذلك"احثوا في وجوه المدّاحين التّراب".

ويشعر كلام الزّمخشريّ في"الكشّاف"و"الفائق"بترادفهما، ففي الأوّل أنّهما أخوان، وجعل فيه نقيض المدح- أعني الذّمّ- نقيضا للحمد، وفي الثّاني الحمد المدح والوصف بالجميل، فالمدح عنده مخصوص بالاختياريّ.

وتأوّل المدح بالجمال وصباحة الوجه، واحتمال أن يراد من الأخوين ما يكون بينهما اشتقاق كبير بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب كجبذ وجذب، وأنّ الأدباء يجوّزون التّعريف بالأعمّ، والنّقيض هناك بالمعنى اللّغويّ، ويجوز أن يكون شي ء واحد نقيضا لشيئين بينهما عموم وخصوص بهذا المعنى.

لا ينفي ما قلناه، بل إذا أنصفت تكاد تجزم، بأنّ الزّمخشريّ قائل بالتّرادف، ولا تستفزّك هذه الاحتمالات، لأنّها كسراب بقيعة، نعم هذا القول بعيد منه وهو شيخ العربيّة وفتاها.

فالحقّ الّذي لا ينبغي العدول عنه، أنّ المدح يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت