فهرس الكتاب

الصفحة 8915 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 822

على غير الاختياريّ، وكأنّه لذلك لم يقل عزّ شأنه:

المدح للّه- كما قالوا إظهارا- لأنّ اللّه تعالى فاعل مختار، وفي ذلك من التّرغيب والتّرهيب المناسبين لمقام البعثة والتّبليغ ما لا يخفى.

وأمّا الشّكر فهو أيضا مغاير للحمد، إلّا أنّ بعضهم خصّه بالعمل والحمد بالقول، وبعض جعله على النّعم الظّاهرة، والآخر على النّعم الباطنة. وادّعى آخرون اختصاصه بفعل اللّسان كالحمد في المشهور، إلّا أنّه على النّعمة- وإليه يشير كلام الرّاغب- والمعروف أنّه ما كان في مقابلتها قولا باللّسان، وعملا وخدمة بالأركان، واعتقادا ومحبّة بالجنان.

وقول الطّيّبيّ: إنّ هذا عرف أهل الأصول، فإنّهم يقولون: شكر المنعم واجب، ويريدون منه وجوب العبادة، وهي لا تتمّ إلّا بهذه الثّلاثة، وإلّا فالشّكر اللّغويّ ليس إلّا باللّسان.

غير طيّب، فإنّ ظاهر الكتاب والسّنّة إطلاق الشّكر على غير اللّسان، قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا سبأ: 13.

وروى الطّبرانيّ عن النّواس بن سمعان:"أنّ ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الجدعاء سرقت، فقال: لئن ردّها اللّه تعالى عليّ لأشكرن ربّي، فلمّا ردّت قال: الحمد للّه، فانتظروا هل يحدث صوما أو صلاة، فظنّوا أنّه نسي فقالوا له: فقال: ألم أقل: الحمد للّه؟!"فلو لم يفهموا رضي اللّه تعالى عنهم إطلاق الشّكر على العمل لم ينتظروه.

وزاد بعضهم في أقسام الشّكر رابعا، وهو شكر اللّه تعالى باللّه، فلا يشكره حقّ شكره إلّا هو، ذكره صاحب"التّجريد"وأنشد:

وشكري ذوي الإحسان بالقلب تارة ... وبالقول أخرى ثمّ بالعمل الأثنى

وشكري لربّي لا بقلبي وطاعتي ... ولا بلساني بل به شكرنا عنّا

والّذي أطبق عليه النّاس التّثليث، وعلى كلّ حال بينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه، والحمد أقوى شعبة، لأنّ حقيقته إشاعة النّعمة والكشف عنها، كما أنّ كفرانها إخفاؤها وسترها، وتلك بالقول أتمّ، لأن الاعتقاد أمر خفيّ في نفسه، وعمل الجوارح وإن كان ظاهرا إلّا أنّه يحتمل خلاف ما قصد به، وكم فرّق بين حمدت اللّه وشكرته ومجّدته وعظّمته، وبين أفعال العبادة، وهي كلّها موافقة للعادة، ولسان الحال أنطق من لسان المقال أمر ادّعائيّ، كما هو المعروف في أمثاله، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما:"الحمد رأس الشّكر، ما شكر اللّه تعالى عبد لا يحمده"وهو وإن كان فيه انقطاع إلّا أنّ له شاهدا يتقوّى به وإن كان مثله، فحيث كان النّطق يجلي كلّ مشتبه، وكان الحمد أظهر الأنواع وأشهرها، حتّى إذا فقد، كان ما عداه بمنزلة العدم، شبّهه صلّى اللّه عليه وسلّم بالرّأس الّذي هو أظهر الأعضاء وأعلاها، والأصل لها والعمدة في بقائها، وكأنّه لهذا أتى به الرّبّ سبحانه، ليكون الرّأس للرّئيس، ويفتتح النّفيس بالنّفيس، أو لأنّه لو قال جلّ شأنه: الشّكر للّه، كان ثناء عليه تعالى بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت