فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 823
والحمد للّه ليس كذلك، فهو أعلى كعبا وأظهر عبوديّة.
ويمكن أن يقال: إنّ الشّكر على الإعطاء وهو متناه، والحمد يكون على المنع وهو غير متناه. فالابتداء بشكر دفع البلاء الّذي لا نهاية له على جانب من الحسن لا نهاية له، ودفع الضّرّ أهمّ من جلب النّفع، فتقديمه أحرى.
وأيضا مورد الحمد في المشهور خاصّ ومتعلّقه عامّ، والشّكر بالعكس موردا ومتعلّقا، ففي إيراده دونه إشارة قدسيّة، ونكتة على ذوي الكثرة خفيّة، وإلى اللّه ترجع الأمور.
وكأنّه لمراعاة هذه الإشارة لم يأت بالتّسبيح، مع أنّه مقدّم على التّحميد؛ إذ يقال: سبحان اللّه والحمد للّه، على أنّ التّسبيح داخل في التّحميد دون العكس، فإنّ الأوّل يدلّ على كونه سبحانه وتعالى مبرّأ في ذاته وصفاته عن النّقائص. والثّاني يشير إلى كونه محسنا إلى العباد، ولا يكون محسنا إليهم إلّا إذا كان عالما قادرا غنيّا، ليعلم مواقع الحاجات فيقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، ولا يشغله حاجة نفسه عن حاجة غيره.
وإن أبيت- ولا أظنّ- قلنا: كلّ تسبيح حمد وليس كلّ حمد تسبيحا، لأنّ التّسبيح يكون بالصّفات السّلبيّة فحسب، والحمد بها وبالثّبوتيّة على ما سلف، فهو أعمّ منه بذلك الاعتبار، فافتتح به، لأنّه لجمعيّته وشموله أوفق بحال القرآن، وتقديم التّسبيح هناك لغرض آخر.
ولكلّ مقام مقال، والتّعريف هنا للجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كلّ أحد من أنّ الحمد ما هو مثله.
وعليه جمع منهم الزّمخشريّ حتّى قال: والاستغراق الّذي يتوهّمه كثير من النّاس وهم.
وقد صار هذا معترك الأفهام ومزدحم أفكار العلماء الأعلام، فقيل: إنّه مبنيّ على مسألة خلق الأعمال، فإنّ أفعال العباد لمّا كانت مخلوقة لهم عند المعتزلة، كانت المحامد عليها راجعة إليهم، فلا يصحّ تخصيص المحامد كلّها به تعالى.
وردّ بأنّ اختصاص الجنس يستلزم اختصاص أفراده أيضا؛ إذ لو وجد فرد منه لغيره ثبت الجنس له في ضمنه وصحّ هذا عندهم، لأنّ الأفعال الحسنة الّتي يستحقّ بها الحمد إنّما هي بإقدار اللّه تعالى وتمكينه، فبهذا الاعتبار يرجع الأمر إليه كلّه، وأمّا حمد غيره فاعتداد بأنّ النّعمة جرت على يده.
وقيل: إنّه جعل الجنس في المقام الخطابي منصرفا إلى الكامل كأنّه كلّ الحقيقة. وردّ بأنّه يجوز في الاستغراق أيضا، بأن يجعل ما عدا محامده كالعدم، فلا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في منافاتهما ظاهرا لمذهبه ودفعهما بالعناية.
وقيل: مبناه على أنّ المصادر نائبة مناب الأفعال، وهي لا تعدو دلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق.
وردّ بأنّ ذلك لا ينافي قصد الاستغراق بمعونة القرائن.
وقيل: إنّما اختاره بناء على أنّه المتبادر الشّائع، لا سيّما في المصادر وعند خفاء القرائن. وردّ بأنّ المحلّى بلام الجنس في المقامات الخطابيّة يتبادر منه الاستغراق