فهرس الكتاب

الصفحة 8918 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 825

نجمعه بسائر عبادات الجوارح، والاستعانة في المهمّات ونخصّ مجموعها بك، وتقدير السّؤال والجواب بحاله، وحينئذ لا يصحّ أن يكون الاختيار للرّعاية، لأنّ الاختصاصين متلازمان، بل لأنّ الحمد مصدر سادّ مسدّ الفعل، وهو لا يدلّ إلّا على الحقيقة، فكذا ما ينوب منابه وإن كان معرفة ليصحّ بيانه ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ، والحمل على الاستغراق يبطل النّيابة؛ إذ يصير الكلام مسوقا لبيان العموم ولا يصحّ البيان، وهذا الاختيار مستفاد من جعل إِيَّاكَ نَعْبُدُ بيانا لحمدهم.

ولعلّ الّذي دعاه إليه ترك العاطف فظنّ أنّه لذلك لا يكون إلّا بيانا، وهو من التّعكيس، لأنّ جعل الصّدر متبوعا للعجز أولى من العكس، فالمحقّقون المحقّون على تعميم الحمد، وأنّ الفصل [و هو ترك العاطف] لأنّ الكلام الأوّل جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كلّ الحمد، والثّاني جار على الحكاية عن نفس الحامد وبيان أحواله، بين يدي الباطن الظّاهر، والأوّل الآخر، فترك العطف للتّفرقة بين الحالتين لا للبيان.

ويدلّ على ذلك أنّ أحسن الالتفات أن يكون النّقل من إحدى الصّيغتين إلى الأخرى في سياق واحد لمعلوم واحد، ولا بيان له على البيان على أن جعل إِيَّاكَ نَعْبُدُ بيانا.

ربّما يناقض ما ادّعاه من أنّ الشّكر بالقلب والجوارح واللّسان، والحمد بالأخير، لأنّ العبادة تكون بها كلّها فيلزم أن يكون الحمد كذلك.

وأيضا الذّهاب إلى فسحة الالتفات، والقول بأنّ قوله: (الحمد ... ) وارد على الشّكر اللّسانيّ، وإِيَّاكَ نَعْبُدُ مشعر بالشّكر بالجوارح، وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مؤذن بالشّكر القلبيّ، أولى من الفرار إلى مضيق القول بالبيان.

وأيضا في تعقيب هذه الصّفات للحمد إشعار بأنّ استحقاقه له لاتّصافه بها، وقد تقرّر أنّ في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعارا بالعلّيّة، وهاهنا الصّفات بأسرها تضمّنت العموم، فينبغي أن يكون العموم في الحمد أيضا، لأنّ الشّكر يقتضي المنعم والمنعم عليه والنّعمة، فالمنعم هو اللّه تعالى، والاسم الأعظم جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما علم منها وما لم يعلم، والمنعم عليه العالمون، وقد اشتمل على كلّ جنس ممّا سمّي به، وموجب النّعم الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وقد استوعب ما استوعب، فإذن لا يستدعي تخصيص الحكم بالبعض سوى التّحكّم أو التّوهّم، هذا.

وأنا لو خلّيت وطبعي لا أمنع أن تكون أل للحقيقة من حيث هي، كما في قولهم:"الرّجل خير من المرأة"أوّلها من حيث وجودها في فرد غير معيّن، كما في"ادخل السّوق"أوّلها في جميع الأفراد وهو الاستغراق كما في إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ العصر: 2.

والقول بأنّ هذا المقام آب عن الاستغراق، لأنّ اختصاص حقيقة الحمد به تعالى أبلغ من اختصاص أفرادها جمعا وفرادى، لاستلزام الأوّل الثّاني، وسلوك طريقة البرهان أقضى لحقّ البلاغة، وأيضا أصل الكلام نحمد اللّه تعالى حمدا، وحمدنا بعض لا كلّ، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت