فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 826
اختصاص الجنس إشعار بأنّ حمد كلّ حامد لكلّ محمود حمد للّه تعالى على الحقيقة، لأنّه إنّما حمده على الصّفات الكماليّة المفاضة عليه من الفيّاض الحقّ جلّ وعلا، فهو فعله على الحقيقة والحمد على الفعل الجميل، والمعتزليّ وإن قال بالاستقلال لا يمنع أنّ الأقدار والتّمكين منه تعالى، فيمكنه من هذا الوجه أن يعمّم عند المقتضي له.
وقد صرّح بهذا الزّمخشريّ أوّل"التّغابن"فقال في قوله تعالى: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قدّم الظّرفان ليدلّ بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد باللّه تعالى، ثمّ قال: وأمّا حمد غيره فاعتداد بأنّ نعمة اللّه تعالى جرت على يده، وقد يقال أيضا: على أصله أنّ الحمد المستغرق لا يجوز أن يختصّ، بل الحمد الحقيقيّ الكامل الّذي يقتضيه إجراء هذه الصّفات فاللّام للحقيقة، ويراد أكمل أنواعها، فهو من باب ذلك الكتاب، وحاتم الجود، لأنّه الّذي يحقّ أن يطلق عليه الحقيقة حتّى كأنّه كلّها، لا لأنّها للاستغراق في المقام الخطابيّ، وتنزيل غير ذلك منزلة العدم، فإنّه تطويل للمسافة مع قصرها كلام لا أقبله وإن جلّ قائله، ويعرف الرّجال بالحقّ، لا الحقّ بالرّجال، كيف، ومن سنّة اللّه تعالى الّتي لا تبديل لها إجراء الكلام على سبيل الخطابة وإن كان برهانيّا، فهي أكثر تأثيرا في النّفوس وأنفع لعوام النّاس، كما سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى عند قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ النّحل: 125، فالتّحرّز عن الاستغراق احترازا عن المقام الخطابيّ، ذهول عن مقرئ كلام اللّه تعالى.
ثمّ لمّا كان المقام مقتضيا لدقائق النّعم وروادفها، لم يكن تنزيل الحمد غير الكامل منزلة العدم من مقتضيات المقام، وتصريح الزّمخشريّ في"التّغابن"بالتّعميم ممنوع، للتّفرقة بين استغراق أفراد الحمد الخارجيّة، والذّهنيّة الحقيقيّة، والمجازيّة الكاملة وغير الكاملة، وبين اختصاص حقيقة الحمد كما يشعر به قوله، وذلك لأنّ الملك على الحقيقة له، وكذلك الحمد، فكما أنّه لا ينفي الملك عن غيره مطلقا فكذلك لا ينفي الحمد عنه كذلك، فإنّ من أصل المعتزلة أنّ نعمة اللّه تعالى جارية على يد العبد لكنّه موجد لإنعمامه فله حمد يليق بإيجاده، وللّه تعالى حمد يليق بتمكينه وإفاضته، وهو الحمد الكامل المختصّ به عزّ شأنه لا ذاك. وفي"الكشّاف"ما يؤيّد ما قلناه لمن أمعن النّظر.
وأمّا حديث إنّ اختصاص حقيقة الحمد أبلغ من اختصاص الأفراد، لاستلزام الأوّل الثّاني، فيجاب عنه، بأنّ اختصاص الأفراد الخارجيّة والذّهنيّة- كما قرّرنا- مستلزم لاختصاص الحقيقة أيضا، إذ لم يبق لها فرد غير مختصّ فأين توجد، فالاستلزام متعاكس، على أنّ حقيقة الحمد يصدق عليها الحمد، فهي فرد من أفراده، كما قال الدّامغانيّ، فإذا خصّص جميع أفراد الحمد به اختصّ حقيقته أيضا، وكون الأصل نحمد اللّه تعالى حمدا ليس بقاطع احتمال الاستغراق الآن، فقد تغيّر الحال، وأنت إذا تأمّلت بعد، يرتفع عنك سجاف الإشكال.
ولست أقول: إنّ الحمد أينما وقع يفيد ذلك، بل إذا