فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 827
دعا المقام إليه أجبناه، ولهذا فرّقوا بين هذا الحمد وحمد الأنعام، إذ عموم الرّبوبيّة، وشمول الرّحمة، واستمرار الملك هنا تقتضي استغراق الأفراد توفية لحقّ هذه السّورة، وحرصا على التئام نظمها، بخلاف ما في تلك السّورة، فإنّ العمومات مفقودة فيها.
ومن الغريب أنّ بعضهم جعلها للعهد، قال الفاكهيّ: سمعت شيخنا أبا العبّاس المرسيّ يقول: قلت لابن النّحّاس: ما تقول في الألف واللّام في الحمد: أجنسيّة هي أم عهديّة؟ فقال يا سيّدي: قالوا: إنّها جنسيّة، فقلت له:
الّذي أقول: إنّها عهديّة، وذلك أنّ اللّه تعالى لمّا علم عجز خلقه عن كنه حمده حمد نفسه بنفسه في أزله، نيابة عن خلقه قبل أن نحمده، فقال: أشهدك أنّها للعهد، واستأنس له بما صحّ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله:"اللّهمّ لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". وأغرب من هذا ما ذهب إليه بعض ساداتنا الصّوفيّة قدّس اللّه تعالى أسرارهم، وليس بالغريب عندهم أنّ الحمد للّه على حدّ الكبرياء للّه، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ الأعراف: 54، فهو الحامد والمحمود والجميع شؤونه، ولهم كلام غير هذا، والكلّ يسقي بماء واحد.
وعن إمامنا الماتريديّ روّح اللّه تعالى روحه أنّه جعل هذا حمدا من اللّه تعالى لنفسه، قال: وإنّما حمد نفسه ليعلم الخلق ولا ضير في ذلك، لأنّه سبحانه هو المستحقّ لذاته والحقيق بما هنالك؛ إذ لا عيب يمسّه ولا آفة تحلّ به.
ثمّ إنّ (الحمد) فيما تواتر مرفوع، وهو مبتدأ خبره (للّه) وقرأ الحسن البصريّ وزيد بن عليّ (الحمد للّه) بإتباع الدّال اللّام. وإبراهيم بن عبلة وأهل البادية بالعكس، وجاز ذلك استعمالا، مع أنّ الإتباع إنّما يكون في كلمة واحدة، لتنزيلهما- لكثرة استعمالهما مقترنين- منزلة الكلمة الواحدة، واختلف في التّرجيح مع الإجماع على الشّذوذ، فقيل: قراءة إبراهيم أسهل لأمرين:
أحدهما: أنّ إتباع الثّاني للأوّل أيسر من العكس وإن ورد، كما في مدّ وشدّ وأقبل وأدخل، لأنّه جار مجرى السّبب والمسبّب، وينبغي أن يكون السّبب أسبق رتبة من المسبّب.
وثانيهما: أنّ ضمّة الدّال إعراب وكسرة اللّام بناء، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء، والمطّرد غلبة الأقوى الأضعف.
وقيل: إنّ قراءة الحسن أحسن، لأنّ الأكثر جعل الثّاني متبوعا، لأنّ ما مضى فات، ولأنّ جعل غير اللّازم تابعا للّازم أولى، والاستقامة عين الكرامة، وكأنّه لتعارض التّرجيح قال الزّمخشريّ: وأشفّ القراءتين قراءة إبراهيم، فعبّر بأشفّ وهو من الأضداد.
وقرأ هارون بن موسى (الحمد للّه) بالنّصب وعامّة بني تميم وكثير من العرب ينصبون المصادر بالألف واللّام، وهو بفعل محذوف قدّروه"نحمد"بنون الجماعة، لأنّه مقول على ألسنة العباد، ومناسب ل (نعبد) و (نستعين) ، لا بنون العظمة، لعدم مناسبته لمقام العبادة المقتضي لغاية التّذلّل والخضوع، ويجوز أن يكون من باب: