فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 829
الشّارع للإنشاء لمصلحة الأحكام، واعترض على إنشائيّتها بأنّ الاستغراق ينافيه، ويستلزم كون الحامد منشئا لكلّ حمد، ومن المحال إنشاء الحمد القائم بغيره.
وأجيب: بأنّه لا منافاة ولا استلزام، ويكفي كونه منشئا للإخبار بأنّ كلّ حمد ثابت له ومحمود به. والّذي أرتضيه أنّها إخباريّة كما عليه المعظم، ويد اللّه تعالى مع الجماعة، والمراد الإخبار بأنّ اللّه تعالى مستحقّ الحمد، كما قال سبحانه: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ القصص: 70، والمتكلّم بها عن اعتقاد واصف ربّه سبحانه بالجميل ومعظّم له جلّ شأنه، فيقال له: حامد لذلك، لا لمحض الإخبار بما فيه لفظ الحمد، بل إذا غيّر الصّيغة إلى ما ليس فيها ذلك اللّفظ ممّا هو مشتمل على الوصف بالجميل بقصد التّعظيم قيل له أيضا: حامد.
فللحمد صيغ شتّى وعبارات كثيرة، حتّى جعل منها الإقرار بالعجز عن الحمد، وقد نقل أنّ داود عليه السّلام قال: يا ربّ كيف أشكرك والشّكر من آلائك؟ فقال: يا داود لمّا علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني.
فما ذكره ابن الهمام أوّلا من أنّ المخبر بالحمد لا يقال له: حامد، إن أراد أنّ المخبر من حيث إنّه مخبر لا يقال له ذلك، فمسلّم، والدّليل تامّ، لكنّا بمعزل عن هذه الدّعوى، وإن أراد أنّ المخبر مطلقا ولو قصد التّعظيم لا يقال له ذلك، فممنوع، ولا تقريب في الدّليل كما لا يخفى، وما ذكره ثانيا من قوله نعم إلخ يعلم دفعه من خبايا زوايا كلامنا.
وما ذكره الملّا خسرو يردّ عليه: أنّ النّقل في أمثال ما نحن فيه بلا ضرورة ممنوع، ولا تظنّ من كلامي هذا أنّي أمنع أن يكون الحمد بجملة إنشائيّة رأسا، معاذ اللّه، ولكنّي أقول: إنّ الجملة هنا إخباريّة وأنّ الحمد يصحّ بها بناء على ما ذكرناه، والبحث بعد محتاج إلى تحرير. ولعل اللّه تعالى يوفّقه لنا في مظانّه، والظّن باللّه تعالى حسن.
الثّاني: أنّه شاع السّؤال عن معنى كون حمد العباد للّه تعالى مع أنّ حمدهم حادث وهو سبحانه القديم، ولا يجوز قيام الحادث به.
وأجيب: بأنّ المراد تعلّق الحمد به تعالى، ولا يلزم من التّعلّق القيام كتعلّق العلم بالمعلومات، فلا يتوجّه الإشكال أصلا. وقيل: إنّ الحمد مصدر بناء المجهول، فيكون الثّابت له عزّ شأنه هو المحموديّة، وصيغة المصدر تحتمل ذلك وغيره، ولهذا جعل بعضهم في الْحَمْدُ لِلَّهِ أوائل الكتب، اثنين وأربعين احتمالا. وقيل: وهو من الغرابة بمكان أنّ اللّام للتّعليل أي الحمد ثابت لأجل اللّه تعالى.
الثّالث: أنّه أتى باسم الذّات في الحمدلة، لئلّا يتوهّم لو اقتصر على الصّفة اختصاص استحقاقه الحمد بوصف دون وصف، وذلك لأنّ اللّام- على ما قيل- للاستحقاق، فإذا قيل: (الحمد للّه) يفيد استحقاق الذّات له، وإذا علّق بصفة أفاد استحقاق الذّات الموصوفة بتلك الصّفة له، والاختصاص إفادة التّعريف، ولكون الاختصاص كذلك حكما باطلا في نفسه جعل متوهّما، لا لأنّ تعليق الحكم بالوصف يدلّ على العلّيّة لا على الاختصاص، لأنّه مستفاد من تعريف المسند إليه.