فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 830
ومعنى الاستحقاق الذّاتيّ ما لا يلاحظ معه خصوصيّة صفة حتّى الجميع، لا ما يكون الذّات البحت مستحقّا له، فإنّ استحقاق الحمد ليس إلّا على الجميل، وسمّي ذاتيّا لملاحظة الذّات فيه من غير اعتبار خصوصيّة صفة، أو لدلالة اسم الذّات عليه، أو لأنّه لمّا لم يكن مستندا إلى صفة من الصّفات المخصوصة كان مسندا إلى الذّات.
وقد قسّم بعض ساداتنا قدّس اللّه تعالى أسرارهم (الحمد) باعتبار صدوره إلى قسمين، فمصدره باعتبار الفرق من محلّين ومنبعه من عينين، فإن وجد من الحقّ وصدر من الوجود المطلق، فتارة يكون على الذّات بانفرادها ووحدتها وغيبتها في عماء هويّتها، وتارة بكمال إطلاقها في وجودها، وتارة بتنزّلاتها إلى حظيرات شهودها، وتارة بكمال أوصافها ونعوتها، وتارة بكمال آثارها وأفعالها، وتارة يثنى على أوصافها من حيث الجملة، وتارة من حيث التّفصيل، فيثنى على العلم من حيث إحاطته بكلّ معلوم من حقّ وخلق، وغيب وشهادة، وملك وملكوت، وبرزخ وجبروت، واستقلاله بالوجود من غير مدّة ولا مادّة، ولا معلم ولا مفيد، وتقدّسه عن النّقص، وتنزّهه عمّا يخطر في الوهم، وكذلك على سائر الصّفات بما يليق بها ويجب لها.
وإن وجد من الخلق والوجود المقيّد، فتارة يكون على ذات الحقّ، وتارة على صفاته، وتارة على أسمائه، ومرّة على أفعاله، وطورا على أسراره، وكرّة على لطيف صنعه، وخفيّ حكمته في أفعاله وآثاره، وذلك بحسب مبلغ النّاس في العلم ومنتهاهم في العقل والفهم وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الأنعام: 91، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا طه: 110، سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ الصّافّات: 180، وإذا اعتبر الجمع كان الكلّ منه وإليه وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى النّجم: 42، فلا حامد ولا محمود سواه.
وهناك يرتفع كلّ إشكال وينقطع كلّ مقال، وإنّما قدّم الحمد على الاسم الكريم، لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به، لكونه بصدد صدور مدلوله فهو نصب العين، وإن كان ذكر اللّه تعالى أهمّ في نفسه، والأهمّيّة تقتضي التّقديم، إلّا أنّ المقتضي العارض بحسب المقام أقوى عند المتكلّم، وتأخير ما قدّم هنا في نحو قوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ الرّوم: 18، لغرض آخر، سيأتيك مع أمور أخر في محلّه إن شاء اللّه تعالى. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (1: 67)
رشيد رضا: قالوا: إنّ معنى الحمد الثّناء باللّسان، وقيّدوه بالجميل، لأنّ كلمة"ثناء"تستعمل في المدح والذّمّ جميعا، يقال: أثنى عليه شرّا، كما يقال أثنى عليه خيرا. ويقولون: إنّ"أل"الّتي في (الحمد) هي للجنس في أيّ فرد من أفراده، لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص، لأنّه لا يسار إلى كلّ منهما في فهم الكلام إلّا بدليل، وهو غير موجود في الآية. ومعنى كون الحمد للّه تعالى بأيّ نوع من أنواعه، هو أنّ أيّ شي ء يصحّ الحمد عليه فهو مصدره وإليه مرجعه، فالحمد له على كلّ حال.
وهذه الجملة خبريّة ولكنّها استعملت لإنشاء