فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 831
الحمد.
فأمّا معنى الخبريّة فهو إثبات أنّ الثّناء الجميل في أيّ أنواعه تحقّق فهو ثابت له تعالى وراجع إليه، لأنّه متّصف بكلّ ما يحمد عليه الحامدون، فصفاته أجلّ الصّفات، وإحسانه عمّ جميع الكائنات، ولأنّ جميع ما يصحّ أن يتوجّه إليه الحمد ممّا سواه فهو منه جلّ ثناؤه؛ إذ هو مصدر الكون كلّه، فيكون له ذلك الحمد أوّلا وبالذّات.
والخلاصة أنّ أيّ حمد يتوجّه إلى محمود مّا فهو للّه تعالى، سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه.
وأمّا معنى الإنشائيّة فهو أنّ الحامد جعلها عبارة عمّا وجّهه من الثّناء إلى اللّه تعالى في الحال.
هذا ملخّص ما قاله الأستاذ الإمام، وأقول الآن:
التّعريف المشهور بين العلماء للحمد أنّه الثّناء باللّسان على الجميل الاختياريّ، أي الفعل الجميل الصّادر عن فاعله باختياره، أي سواء أسدى هذا الجميل إلى الحامد أم لا، انتهى.
وأزيد عليهم أنّه قد يحمد غير الفاعل المختار تنزيلا له منزلة الفاعل في نفعه، ومنه:"إنّما يحمد السّوق من ربح". وهذا هو المتبادر من استعمال اللّغة. وحذف بعضهم قيد الاختيار، ليدخل في الحمد الثّناء على صفات الكمال، ولذلك وصف بعضهم الجميل الاختياريّ بقوله: سواء كان من الفضائل- أي الصّفات الكماليّة لصاحبها- أو الفواضل- وهي ما يتعدّى أثره من الفضل إلى غير صاحب الفضل.
والظّاهر أنّ الحمد على الفضائل وصفات الكمال إنّما يكون باعتبار ما يترتّب عليها من الأفعال الاختياريّة، وما عدا هذا من الثّناء تسمّيه العرب مدحا. يقال: مدح الرّياض ومدح المال ومدح الجمال، ولا يطلق الحمد على مثل هذه الأشياء، وقيل: هما مترادفان.
والمقام المحمود للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هو ما يحمد فيه لما يناله النّاس كلّهم من خير دعائه وشفاعته على المشهور.
وسيأتي تفسيره في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
وقد يقال: إنّ ما ذكر هو الحمد الّذي يكون من بعض النّاس لبعض، وأمّا اللّه عزّ وجلّ فإنّه يحمد لذاته باعتبار أنّها مصدر جميع الوجود الممكن، وما فيه من الخيرات والنّعم، أو مطلقا خصوصيّة له؛ إذ ليست ذات أحد من الخلق كذاته. ويحمد لصفاته باعتبار تعلّقها وآثارها، كما سترى بيانه في تفسير (الرّبّ) و (الرّحمن) و (الرّحيم) . (1: 49)
الطّنطاويّ: [بعد البسملة قال:]
فالحمد إذن إنّما يكون له سبحانه، فإذا مدحنا الوالدين، وحمدنا الشّجعان، وشكرنا العلماء والأنبياء، فالحمد والمدح والشّكر للّه، لأنّه مولى هذه الرّحمة، وإذا تمتّعنا بنعمة السّحاب، والمطر، وماء الأنهار، ومعادن الجبال، ونور الشّمس، فالحمد والشّكر لمسديها، وهو اللّه، فكأنّ القارئ يقول: ها أنا ذا عرفت أنّ الرّحمة الواصلة للعباد مرجعها اللّه، فليكن كلّ حمد صادر من الألسنة راجعا للّه عزّ وجلّ، لأنّه هو المختصّ بالرّحمة الّتي كانت سببا في الثّناء.
من مدح المحسنين والملوك، واختصاص الحمد