فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 832
والعبادة باللّه إطلاقا للحرّيّة والمساواة.
اعلم أنّ العرب كان من عادتهم أن ينصتوا للشّعراء، ويسمعوا المدائح، ويصغوا لمن هم في كلّ واد يهيمون الّذين يقولون ما لا يفعلون، وما كان أكبر سلطان الشّعر عليهم وما أقساه وأقواه وأملكه لقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ومشاعرهم، ولقد كان الشّاعر يقول البيت من الشّعر مدحا، فيرفع القبيلة الوضيعة المنزلة، ويشيد بذكرها، ويقول: بيتا ذمّا، فيضع القبيلة الرّفيعة، ويميت ذكرها، فمن الأوّل ما قاله الشّاعر في بني أنف النّاقة.
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
ومن الثّاني قول جرير:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ولقد كان ذكر بني أنف النّاقة ممّا يعير به، فلمّا قيل هذا البيت رفعوا رؤوسهم وفخروا بلقبهم وشرفوا بنسبهم، وكان الرّجل منهم إذا سئل يقول: أنا من بني أنف النّاقة، ويميل صوته عجبا وتيها وافتخارا، وكذلك بنو نمير كانوا قبل هذا البيت يتكبّرون ويفخرون بنسبهم، فلمّا أن شاع البيت طأطأوا رؤوسهم وغضّوا من صوتهم، وانخذلوا أمام عدوّهم، وصغروا في المحافل، ولقد كانت هذه حال العرب. [إلى أن قال:]
الحمد يكون على مقدار علم الحامد، ألا وإنّ الحامد كلّما كان أعرف بصفات المحمود كان أصدق حمدا، وكلّما كان قليل العلم بها كان أقرب إلى الكذب في حمده، ولذلك نجد النّاس إذا أرادوا تأبين ميّت أو تكريم حيّ جمعوا من الكتب ما كان له من محمدة، وإذا أرادوا ذمّا نقبوا عن الأعمال السّيّئة فهكذا هنا، لن يعرف المسلمون محامد اللّه حتّى يقرأوا نظام الطّبيعة، لأنّها أفعاله وآثاره وعجائب صنعه، وهي كتاب التّاريخ الّذي حفظ في سجل الدّهر، فإذا أراد المسلمون أن يحمدوا اللّه حقّ حمده فليقرأ عقلاؤهم نظام الطّبيعة، وليعقلوها وليفهموا دقائق التّكوين، فلا يتركون علما إلّا درسوه، ولا فنّا إلّا عرفوه، وحينئذ يحمدون اللّه حقّ حمده، كما تحمد الأمم رجالها وتمدح شجعانها، بذكر مآثرهم الّتي انتفعوا بها.
فإذا قالوا: الحمد للّه، كان ذلك على الحقيقة والواقع لا بمجرّد اللّفظ. ولعلّك تقول: ها أنا ذا قد عرفت، أنّه لا بدّ من معرفة نعم اللّه حتّى أكون حامدا له حقّ حمده، بحسب طاقتي البشريّة، فما مجامع تلك النّعم؟ أقول: كلّ العلوم مجامع الحمد وسأفصّلها لك في التّفسير، بل كلّ ما أشار له القرآن هو ما أثر تربية العالمين الّتي تستوجب الحمد.
أسباب الحمد: زيادة إيضاح لما سبق من قبل فيها:
إعلم أنّ لكلّ حمد سببا كما أشرنا إليه آنفا، فالجائع يقول: الحمد للّه الّذي غذّاني، والظّمآن يقول: الّذي أرواني، والفقير يقول: الّذي أغناني، والجاهل يقول:
الّذي علّمني، وفي القرآن على لسان إبراهيم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إبراهيم:
39، وفيه على لسان يوسف: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ يوسف: 100، وهذه الجملة حمد