فهرس الكتاب

الصفحة 8926 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 833

على نعمة الخروج من السّجن ولمّ شمل أسرة يوسف عليه السّلام.

فأمّا الحمد في هذه السّورة فسببه أنّ اللّه مربّي جميع العوالم، فإذا قال إبراهيم الخليل: أنا أحمد اللّه، لأنّه أعطاني ولدا أيّام كبري، يقول المسلم في صلاته: أنا أثني على اللّه، لأنّه هو الّذي ربّى جميع العوالم من العلويّات والسّفليّات، إنّ إبراهيم يعرف نعمة اللّه في ابنه، والجائع يعرف نعمة اللّه في أكله، والمسلم يجب أن يعرف نعمة اللّه في تربية العوالم. وليس معنى هذا أن يكون جميع المسلمين حكماء فلاسفة، وإنّما المراد أن يكون فيهم طائفة تقوم بجميع العلوم كالفرنجة أو أكثر، ألا تراه يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ولم يقل"أعبد"للإشارة إلى أنّ المقصود الجماعة.

وإذا بقي المسلمون على ما هم عليه من الجهل بنظام اللّه في العالم، فلا حظّ لهم من حمد اللّه وشكره إلّا حظّ الجائع من النّسيم، ولمّا عزّ الحامدون الحقيقيّون الشّاكرون العاقلون قال اللّه: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ سبأ: 13. [و استشهد بالشّعر مرّتين]

المراغيّ: الحمد لغة هو المدح على فعل حسن صدر عن فاعله باختياره، سواء أسداه إلى الحامد أو إلى غيره.

والمدح يعمّ هذا وغيره، فيقال: مدح المال، ومدح الجمال، ومدح الرّياض.

والثّناء يستعمل في المدح والذّمّ على السّواء، فيقال:

أثنى عليه شرّا، كما يقال أثنى عليه خيرا.

والشّكر هو الاعتراف بالفضل إزاء نعمة صدرت من المشكور بالقلب أو باللّسان أو باليد أو غيرها من الأعضاء. [ثمّ استشهد بشعر]

يريد أنّ يدي ولساني وقلبي لكم، فليس في القلب إلّا نصحكم ومحبّتكم، ولا في اللّسان إلّا الثّناء عليكم ومدحكم، ولا في اليد وسائر الجوارح والأعضاء إلّا مكافأتكم وخدمتكم.

وورد في الأثر:"الحمد رأس الشّكر، ما شكر اللّه عبد لم يحمده"وقد جعله رأس الشّكر، لأنّ ذكر النّعمة باللّسان والثّناء على من أسداها، يشهرها بين النّاس ويجعل صاحبها القدوة المؤتسى به، أمّا الشّكر بالقلب فهو خفيّ قلّ من يعرفه، وكذلك الشّكر بالجوارح منهم لا يستبين لكثير من النّاس. (1: 29)

سيّد قطب: وعقب البدء باسم اللّه الرّحمن الرّحيم يجي ء التّوجّه إلى اللّه بالحمد، ووصفه بالرّبوبيّة المطلقة للعالمين: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

والْحَمْدُ لِلَّهِ هو الشّعور الّذي يفيض به قلب المؤمن بمجرّد ذكره للّه، فإنّ وجوده ابتداء ليس إلّا فيضا من فيوضات النّعمة الإلهيّة الّتي تستجيش الحمد والثّناء.

وفي كلّ لمحة، وفي كلّ لحظة، وفي كلّ خطوة، تتوالى آلاء اللّه وتتواكب وتتجمّع، وتغمر خلائقه كلّها، وبخاصّة هذا الإنسان. ومن ثمّ كان الحمد للّه ابتداء، وكان الحمد للّه ختاما، قاعدة من قواعد التّصوّر الإسلاميّ المباشر:

"و هو اللّه لا إله إلّا هو، له الحمد في الأولى والآخرة ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت