فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 834
ومع هذا يبلغ من فضل اللّه- سبحانه- وفيضه على عبده المؤمن، أنّه إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ كتبها له حسنة ترجّح كلّ الموازين. في سنن ابن ماجه عن ابن عمر- رضي اللّه عنهما- أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حدّثهم أنّ عبدا من عباد اللّه قال:"يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك". فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها. فصعدا إلى اللّه فقالا: يا ربّنا، إنّ عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال اللّه- وهو أعلم بما قال عبده-:"و ما الّذي قال عبدي؟"قالا: يا ربّ، إنّه قال:"لك الحمد يا ربّ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك". فقال اللّه لهما:"اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني فأجزيه بها".
والتّوجّه إلى اللّه بالحمد يمثّل شعور المؤمن الّذي يستجيشه مجرّد ذكره للّه- كما أسلفنا- أمّا شطر الآية الأخير: رَبِّ الْعالَمِينَ فهو يمثّل قاعدة التّصوّر الإسلاميّ، فالرّبوبيّة المطلقة الشّاملة هي إحدى كليّات العقيدة الإسلاميّة. والرّبّ هو المالك المتصرّف، ويطلق في اللّغة على السّيّد وعلى المتصرّف للإصلاح والتّربية.
والتّصرّف للإصلاح والتّربية يشمل العالمين، أي جميع الخلائق، واللّه سبحانه لم يخلق الكون ثمّ يتركه هملا، إنّما هو يتصرّف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربّيه وكلّ العوالم والخلائق تحفظ وتتعهّد برعاية اللّه ربّ العالمين، والصّلة بين الخالق والخلائق، دائمة ممتدّة قائمة، في كلّ وقت وفي كلّ حالة. (1: 22)
الطّباطبائيّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الحمد على ما قيل: هو الثّناء على الجميل الاختياريّ، والمدح أعمّ منه، يقال:
حمدت فلانا أو مدحته لكرمه، ويقال: مدحت اللّؤلؤ على صفائه ولا يقال: حمدته على صفائه. واللّام فيه للجنس أو الاستغراق، والمآل هاهنا واحد، وذلك انّ اللّه سبحانه يقول: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ المؤمن: 62، فأفاد أنّ كلّ ما هو شي ء فهو مخلوق للّه سبحانه.
وقال: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقَهُ السّجدة:
7، فأثبت الحسن لكلّ شي ء مخلوق من جهة أنّه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور مدار الخلق وبالعكس، فلا خلق إلّا وهو حسن جميل بإحسانه، ولا حسن إلّا وهو مخلوق له منسوب إليه، وقد قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الزّمر: 4. وقال: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ طه: 111، فإنباء أنّه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر، ولا يفعل ما فعل بإجبار من مجبر، بل خلقه عن علم واختيار، فما من شي ء إلّا وهو فعل جميل اختياريّ له. فهذا من جهة الفعل، وأمّا من جهة الاسم فقد قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى طه: 8، وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ الأعراف: 180، فهو تعالى جميل في أسمائه وجميل في أفعاله، وكلّ جميل منه.
فقد بان أنّه تعالى محمود على جميل أسمائه ومحمود على جميل أفعاله، وأنّه ما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلّا كان للّه سبحانه حقيقة، لأنّ الجميل الّذي