فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 835
يتعلّق به الحمد منه سبحانه، فللّه سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كلّ حمد.
ثمّ إنّ الظّاهر من السّياق وبقرينة الالتفات الّذي في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ إنّ السّورة من كلام العبد، وإنّه سبحانه في هذه السّورة يلقّن عبده حمد نفسه، وما ينبغي أن يتأدّب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبوديّة، وهو الّذي يؤيّده قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وذلك أنّ الحمد توصيف، وقد نزّه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده؛ حيث قال: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الصّافّات:
159، 160، والكلام مطلق غير مقيّد، ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره، إلّا ما حكاه عن عدّة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوح عليه السّلام: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ المؤمنون: 28، وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إبراهيم: 39، وقال تعالى لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله في بضعة مواضع من كلامه: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ النّمل: 93، وقال تعالى حكاية عن داود وسليمان عليهما السّلام: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ النّمل: 15، وإلّا ما حكاه عن أهل الجنّة وهم المطهّرون من غلّ الصّدور، ولغو القول والتّأثيم، كقوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يونس: 10.
وأمّا غير هذه الموارد فهو تعالى وإن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى:
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ الشّورى: 5، وقوله: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ الرّعد: 13، وقوله:
وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ الإسراء: 44.
إلّا أنّه سبحانه شفّع الحمد في جميعها بالتّسبيح، بل جعل التّسبيح هو الأصل في الحكاية وجعل الحمد معه، وذلك أنّ غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها، كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه، الّتي منها جمال الأفعال، قال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا طه: 110، فما وصفوه به فقد أحاطوا به، وصار محدودا بحدودهم مقدّرا بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء، إلّا من بعد أن ينزّهوه ويسبّحوه عن ما حدّوه وقدّروه بأفهامهم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النّحل: 74.
وأمّا المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده، ووصفهم وصفه، حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان أنّ الّذي يقتضيه أدب العبوديّة أن يحمد العبد ربّه بما حمد به نفسه، ولا يتعدّى عنه، كما في الحديث الّذي رواه الفريقان عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله:"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"فقوله في أوّل هذه السّورة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، تأديب بأدب عبوديّ، ما كان للعبد أن يقوله لو لا أنّ اللّه تعالى قاله نيابة وتعليما لما ينبغي الثّناء به. (1: 19)
مكارم الشّيرازيّ: ولفهم عمق هذه العبارة وعظمتها يلزمنا توضيح الفرق بين"الحمد"و"المدح"و"الشّكر"والنّتائج المترتّبة على ذلك: