فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 837
ينفتح على المدح، يتحسّس موقع العظمة المنفتح على النّعمة من حيث امتزاج المعنيين أو تداخلهما، باعتبار ارتباط مواقع الوجود ببعضها البعض. ولهذا نجد أنّ كلمة"الحمد"تلتقي في استعمالاتها، بمواقع كلمة"الشّكر".
وهذا ما نراه في أغلب الكلمات المترادفة الّتي قد تتّفق في المعنى من حيث المبدإ، ولكنّها تختلف من حيث الإيحاءات، ممّا يجعل لكلّ كلمة موقعا يختلف عن موقع الكلمة الأخرى، فنجد كلمة"بشر"مثلا توضع في مقابل كلمة الملك، بينما توضع كلمة"الإنسان"في مقابل كلمة"الحيوان"، مع أنّ معناهما، أي البشر والإنسان، واحد.
لماذا الحمد للّه وحده؟
وهذه الجملة واردة في مورد الحصر، باعتبار أنّ للّه وحده الحمد كلّه، باعتباره مالكا للوجود كلّه، والأمر كلّه. فإذا كان بعض خلقه مستحقّا للحمد من خلال صفاته العظيمة، أو أفعاله الحسنة، فإنّ اللّه هو الّذي وهبه ذلك، ومكّنه منه. فهو الّذي هيّأ له الظّروف والوسائل والإمكانات الّتي جعلت منه إنسانا محمودا، ممّا يجعل من محامد خلقه امتدادا لمحامده، باعتبار أنّ ذلك من فعله ومن إرادته.
إنّ الخلق كلّه يمثل بالنّسبة إلى اللّه الظّلّ والصّدى وامتداد الشّعاع، فلا وجود لهم إلّا من خلال وجوده، ولا حمد لهم إلّا من خلال حمده.
وإذا كانت الكلمة تنطلق من عمق الإحساس بالعظمة والنّعمة، فلا بدّ من أن تطوف بالإنسان في رحاب اللّه، في صفات الجلال والكمال، ليعيش مع اللّه في ذلك الجوّ كلّه، ممّا يجعل الكلمة تجتذب آلاف الكلمات، كما ينطلق التّصوّر في معنى الحمد الممتدّ في كلّ مواقع الحمد، ليلتقي بآلاف التّصوّرات في ما يحمله اسم الجلالة من كلّ المعاني العظيمة والصّفات الحسنى.
وهذا هو التّصوّر الأوّل في السّورة فيما يتصوّره المؤمن من تصوّراته العقيديّة للّه، لتلتقي صفة اللّه المحمود، مع مشاعر المؤمن الحامد. (1: 47)
2 -الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
الأنعام: 1
ابن عبّاس: يقول: الشّكر والألوهيّة للّه. (105)
افتتح اللّه الخلق بالحمد، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمه بالحمد، فقال:
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ* أي بين الخلائق وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الزّمر: 75. (البغويّ 2: 108)
الطّبريّ: الحمد الكامل للّه وحده لا شريك له، دون جميع الأنداد والآلهة، ودون ما سواه ممّا تعبده كفرة خلقه من الأوثان والأصنام. وهذا كلام مخرجه مخرج الخبر، ينحى به نحو الأمر، يقول: أخلصوا الحمد والشّكر للّذي خلقكم أيّها النّاس، وخلق السّماوات والأرض، ولا تشركوا معه في ذلك أحدا شيئا، فإنّه المستوجب عليكم الحمد بأياديه عندكم، ونعمه عليكم، لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكا من خلقه. وقد