فهرس الكتاب

الصفحة 8943 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 850

عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا* قَيِّمًا إشارة إلى الشّكر على نعمة الإبقاء، فإنّ الشّرائع بها البقاء، ولو لا شرع ينقاد له الخلق لاتّبع كلّ واحد هواه، ولو وقعت المنازعات في المشتبهات وأدّى إلى التّقاتل والتّفاني.

ثمّ قال في هذه السّورة: الْحَمْدُ لِلَّهِ إشارة إلى نعمة الإيجاد الثّاني، ويدلّ عليه قوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وقال في الملائكة: الْحَمْدُ لِلَّهِ إشارة إلى نعمة الإبقاء، ويدلّ عليه قوله تعالى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا، والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلا إلّا يوم القيامة، يرسلهم اللّه مسلمين، كما قال تعالى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ الأنبياء: 103، وقال تعالى عنهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ الزّمر: 73، وفاتحة الكتاب لمّا اشتملت على ذكر النّعمتين بقوله تعالى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إشارة إلى النّعمة العاجلة، وقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إشارة إلى النّعمة الآجلة قرئت في الافتتاح وفي الاختتام، ثمّ فيها مسائل:

المسألة الأولى: (الحمد) شكر، والشّكر على النّعمة، واللّه تعالى جعل ما في السّماوات وما في الأرض لنفسه بقوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ولم يبيّن أنّه لنا حتّى يجب الشّكر؟

نقول جوابا عنه: الحمد يفارق الشّكر في معنى، وهو أنّ الحمد أعمّ، فيحمد من فيه صفات حميدة وإن لم ينعم على الحامد أصلا، فإنّ الإنسان يحسن منه أن يقول في حقّ عالم لم يجتمع به أصلا: إنّه عالم عامل، بارع كامل، فيقال له: إنّه يحمد فلانا، ولا يقال: إنّه يشكره، إلّا إذا ذكر نعمه أو ذكره على نعمه، فاللّه تعالى محمود في الأزل، لاتّصافه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال، ومشكور، ولا يزال على ما أبدى من الكرم وأسدى من النّعم، فلا يلزم ذكر النّعمة للحمد بل يكفي ذكر العظمة، وفي كونه مالك ما في السّماوات وما في الأرض عظمة كاملة، فله الحمد.

على أنّا نقول قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يوجب شكرا أتمّ ممّا يوجبه قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ، وذلك لأنّ ما في السّماوات والأرض إذا كان للّه ونحن المنتفعون به لا هو، يوجب ذلك شكرا لا يوجبه كون ذلك لنا.

المسألة الثّانية: قد ذكرتم أنّ (الحمد) هاهنا إشارة إلى النّعمة الّتي في الآخرة، فلم ذكر اللّه السّماوات والأرض؟

فنقول: نعم الآخرة غير مرئيّة فذكر اللّه النّعم المرئيّة، وهي ما في السّماوات وما في الأرض، ثمّ قال:

وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ليقاس نعم الآخرة بنعم الدّنيا، ويعلم فضلها بدوامها وفناء العاجلة، ولهذا قال: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ إشارة إلى أن خلق هذه الأشياء بالحكمة والخير، والحكمة صفة ثابتة للّه لا يمكن زوالها، فيمكن منه إيجاد أمثال هذه مرّة أخرى في الآخرة.

نحوه الشّربينيّ. (7: 257)

البيضاويّ: خلقا ونعمة، فله الحمد في الدّنيا لكمال قدرته على تمام نعمته، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت