فهرس الكتاب

الصفحة 8944 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 851

لأنّ ما في الآخرة أيضا كذلك. وليس هذا من عطف المقيّد على المطلق، فإنّ الوصف بما يدلّ على أنّه المنعم بالنّعم الدّنيويّة قيّد الحمد بها، وتقديم الصّلة للاختصاص، فإنّ النّعم الدّنيويّة قد تكون بواسطة من يستحقّ الحمد لأجلها، ولا كذلك نعم الآخرة.

النّسفيّ: (الحمد) إن أجري على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود، وإن أجري على الاستغراق فله لكلّ المحامد الاستحقاق، (للّه) بلام التّمليك لأنّه خالق ناطق الحمد أصلا، فكان بملكه مالك الحمد للتّحميد أهلا ... وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ كما هو له في الدّنيا، إذ النّعم في الدّارين من المولى، غير أنّ الحمد هنا واجب، لأنّ الدّنيا دار تكليف وثمّ لا، لعدم التّكليف، وإنّما يحمد أهل الجنّة سرورا بالنّعيم وتلذّذا بما نالوا من الأجر العظيم بقولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ الزّمر:

74، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ فاطر: 34.

أبو حيّان: الْحَمْدُ لِلَّهِ مستغرق لجميع المحامد.

وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ظاهره الاستغراق، ولمّا كانت نعمة الآخرة مخبرا بها غير مرئيّة لنا في الدّنيا ذكرها، ليقاس نعمها بنعم الدّنيا قياس الغائب على الشّاهد، وإن اختلفا في الفضيلة والدّيمومة. (7: 257)

أبو السّعود: أي له تعالى خلقا وملكا وتصرّفا بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، جميع ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكّنا فيهما، فكأنّه قيل: له جميع المخلوقات كما مرّ في آية الكرسيّ.

ووصفه تعالى بذلك، لتقرير ما أفاده تعليق الحمد المعرّف بلام الحقيقة بالاسم الجليل، من اختصاص جميع أفراده به تعالى، على ما بيّن في فاتحة الكتاب ببيان تفرّده تعالى واستقلاله بما يوجب ذلك، وكون كلّ ما سواه من الموجودات الّتي من جملتها الإنسان تحت ملكوته تعالى، ليس لها في حدّ ذاتها استحقاق الوجود، فضلا عمّا عداه من صفاتها، بل كلّ ذلك نعم فائضة عليها من جهته عزّ وجلّ، فما هذا شأنه فهو بمعزل من استحقاق الحمد، الّذي مداره الجميل الصّادر عن القادر باختيار. فظهر اختصاص جميع [ما] أراده به تعالى.

وقوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ بيان لاختصاص الحمد الأخرويّ به تعالى، إثر بيان اختصاص الدّنيويّ به، على أنّ الجارّ متعلّق إمّا بنفس (الحمد) أو بما تعلّق به الخبر من الاستقرار، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه، ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التّعيين، كما اكتفى فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في الدّنيا عن ذكر كون الحمد أيضا فيها، بل ليعمّ النّعم الأخرويّة، كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ الزّمر:

74، وقوله تعالى: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ فاطر: 35، وما يكون ذريعة إلى نيلها من النّعم الدّنيويّة، كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا الأعراف: 43، أي لما جزاؤه هذا من الإيمان والعمل الصّالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت