فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 852
والفرق بين الحمدين مع كون نعمتي الدّنيا والآخرة بطريق التّفضّل، أنّ الأوّل على نهج العبادة، والثّاني على وجه التّلذّذ والاغتباط. (5: 244)
البروسويّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الألف واللّام لاستغراق الجنس، واللّام للتّمليك والاختصاص، أي جميع أفراد المدح والثّناء والشّكر من كلّ حامد، ملك للّه تعالى ومخصوص به، لا شركة لأحد فيه، لأنّه الخالق والمالك، كما قال: الَّذِي لَهُ خاصّة، خلقا وملكا وتصرّفا بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي جميع الموجودات، فإليه يرجع الحمد لا إلى غيره. وكلّ مخلوق أجري عليه اسم المالك فهو مملوك له تعالى في الحقيقة، وإنّ الزّنجيّ لا يتغيّر عن لونه لأن سمّي كافورا، والمراد على نعمه الدّنيويّة، فإنّ السّماوات والأرض وما فيها خلقت لانتفاعنا، فكلّها نعمة لنا دينا ودنيا، فاكتفى بذكر كون المحمود عليه في الدّنيا عن ذكر كون الحمد أيضا فيها، وقد صرّح في موضع آخر كما قال: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وهذا القول أي الحمد للّه إلخ وإن كان حمدا لذاته بذاته، لكنّه تعليم للعباد كيف يحمدونه.
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ بيان لاختصاص الحمد الأخرويّ به تعالى، إثر بيان اختصاص الدّنيويّ به. على أنّ الجارّ متعلّق إمّا بنفس (الحمد) أو بما تعلّق به الخبر من الاستقرار، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه، ليعمّ النّعم الأخرويّة، كما في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ الزّمر: 74، وقوله: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ فاطر: 35، وما يكون ذريعة إلى نيلها من النّعم الدّنيويّة، كما في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا الأعراف: 43، أي لما جزاؤه هذا من الإيمان والعمل الصّالح.
يقال: يحمده أهل الجنّة في ستّة مواضع:
أحدها: حين نودي وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ يس: 59، فإذا يميّز المؤمنون من الكافرين يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ المؤمنون: 28، كما قال نوح عليه السّلام حين أنجاه اللّه من قومه.
والثّاني: حين جاوزوا الصّراط قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ فاطر: 34.
والثّالث: لمّا دنوا إلى باب الجنّة، واغتسلوا بماء الحياة، ونظروا إلى الجنّة قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا.
والرّابع: لمّا دخلوا الجنّة، واستقبلتهم الملائكة بالتّحيّة قالوا: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ.
والخامس: حين استقرّوا في منازلهم قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ.
والسّادس: كلّما فرغوا من الطّعام قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.* والفرق بين الحمدين مع كون نعمتي الدّنيا والآخرة بطريق التّفضّل، أن الأوّل على نهج العبادة، والثّاني على وجه التّلذّذ، كما يتلذّذ العطشان بالماء البارد، لا على وجه الفرض والوجوب. وقد ورد