المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 864
علّة ذلك، فقال:"لأنّ الصّحيح أنّ أوّل العلم باللّه العلم بكونه تعالى قادرا، ثمّ بعد ذلك العلم بكونه عالما، ثمّ بعد ذلك العلم بكونه غنيّا عن الحاجات، والعزيز هو القادر، والحميد هو العالم الغنيّ".
واستبعد قوله الآلوسيّ، وعلّل ذلك بقوله:
"للاعتناء بالصّفات السّلبيّة، كما يؤذن به قولهم: التّخلية أولى من التّحلية".
2 -جوّز الزّجّاج رفع (الحميد) على الابتداء في (14) صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللَّهِ الَّذِي، ورفع لفظ الجلالة فيما بعده خبرا له. فيجوز على قوله: الوقف على (العزيز) ، ويكون (الحميد) استئنافا. وجاء بعدها قوله:
اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ...
ولكن هذا خلاف الاستعمال؛ إذ جاء الحميد معرّفا ومنكّرا رويّا- كما في هذه الآية- أو فاصلا بين الآيات دائما، سوى الآية (13) . كما أنّه يحسن وصل"الحميد"- على قول الزّجّاج- بلفظ الجلالة"اللّه"- وهو يعيد- ويستحبّ- أي لا يجب على قوله أيضا- الوقف على (شديد) في الآية الثّانية لاتّصالها بما بعدها. ونظيره قوله:
فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا* جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ مريم: 60 و61.
3 -فسّر الفخر الرّازيّ (الحميد) في (14) بالعالم الغنيّ، وأنكره الآلوسيّ، فقال:"و لم نر تفسير (الحميد) بما ذكر لغيره". واستغربه الطّباطبائيّ أيضا.
كما فسّره في (16) إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بالعلم، وعلّل ذلك بقوله:"لأنّ من لا يكون عالما بعواقب الأشياء، لا يمكنه أن يفعل الأفعال الحميدة، فالحميد يدلّ على العلم التّامّ من هذا الوجه". وهذا لا يوجب تفسيره بالعلم، لأنّه لازم له لا عينه.
وجاء الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ في (17) : وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ:
وصف (الولىّ) - وهو اللّه- بلفظ (الحميد) ، وما وصف (الولىّ) - وهو يعنيه تعالى- بوصف إلّا في هذه الآية. واقترن (الحميد) بلفظ (الولىّ) هنا لتقدّم نزول الغيث بعد القنوط، ونزول الرّحمة عليه، لأنّ (الوليّ) وحده دون وصف وإضافة قد استعمل في الوعيد والتّهديد، في كثير من الآيات، مثل وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ البقرة: 107. فكأنّ (الحميد) هنا قوام البركة والرّحمة.
وجاء حَكِيمٍ حَمِيدٍ في (18) : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ:
وصف اللّه القرآن بأنّ ما أخبر به عن الماضي وعن المستقبل ليس باطلا- وهذا أحد الأقوال في معنى الآية- ثمّ أخبر بأنّه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، أي تنزيل من عالم مستحقّ للحمد، لأنّه أنعم به على خلقه، فاستحقّ بذلك الحمد والشّكر.
وجاء صِراطِ الْحَمِيدِ في (19) : وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ مضافا إليه:
واختلف فيه، فقيل: هو اللّه تعالى، وقيل: الجنّة،