المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 890
ابن كثير: يقول تعالى ذامّا لليهود، الّذين أعطوا التّوراة وحمّلوها للعمل بها ثمّ لم يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسّيّا لا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الّذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يتفهّموه ولا عملوا بمقتضاه بل أوّلوه وحرّفوه وبدّلوه، فهم أسوأ حالا من الحمير، لأنّ الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الأعراف: 179. (7: 8)
البروسويّ: الكاف فيه زائدة، كما في"الكواشي". والحمار: حيوان معروف يعبّر به عن الجاهل، كقولهم: هو أكفر من الحمير، أي أجهل، لأنّ الكفر من الجهالة، فالتّشبيه به لزيادة التّحقير والإهانة، ولنهاية التّهكّم والتّوبيخ بالبلادة؛ إذ الحمار يذكر بها.
والبقر وإن كان مشهورا بالبلادة إلّا أنّه لا يلائم الحمل.
تعلم يافتى فالجهل عار ... ولا يرضى به إلّا حمار
ابن عاشور: بعد أن تبيّن أنّه تعالى آتى فضله قوما أمّيّين، أعقبه بأنّه قد آتى فضله أهل الكتاب، فلم ينتفع به هؤلاء الّذين قد اقتنعوا من العلم، بأن يحملوا التّوراة دون فهم، وهم يحسبون أنّ إدّخار أسفار التّوراة وانتقالها من بيت إلى بيت كاف في التّبجّح بها، وتحقير من لم تكن التّوراة بأيديهم، فالمراد: اليهود الّذين قاوموا دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وظاهروا المشركين.
وقد ضرب اللّه لهؤلاء مثلا بحال حمار يحمل أسفارا، لا حظّ له منها إلّا الحمل دون علم ولا فهم.
ذلك أنّ علم اليهود بما في التّوراة أدخلوا فيه ما صيّره مخلوطا بأخطاء وضلالات، ومتّبعا فيه هوى نفوسهم وما لا يعدو نفعهم الدّنيويّ، ولم يتخلّقوا بما تحتوي عليه من الهدى والدّعاء إلى تزكية النّفس، وقد كتموا ما في كتبهم من العهد، باتّباع النّبيّ الّذي يأتي لتخليصهم من ربقة الضّلال.
فهذا وجه ارتباط هذه الآية بالآيات الّتي قبلها، وبذلك كانت هي كالتّتمّة لما قبلها. وقال في"الكشّاف"عن بعضهم: افتخر اليهود بأنّهم أهل كتاب والعرب لا كتاب لهم، فأبطل اللّه ذلك بشبههم بالحمار يحمل أسفارا.
[ثمّ ذكر معنى (حمّلوا) وقال:]
وهذا التّمثيل مقصود منه تشنيع حالهم، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس المتعارف، ولذلك ذيّل بذمّ حالهم: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الجمعة: 5. (28: 191)
الطّباطبائيّ: ضرب اللّه لهم مثل الحمار يحمل أسفارا، وهو لا يعرف ما فيها من المعارف والحقائق فلا يبقى له من حملها إلّا التّعب بتحمّل ثقلها.
مكارم الشّيرازيّ: الحمار الّذي يحمل الأسفار:
جاء في بعض الرّوايات أنّ اليهود قالوا:"إذا كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله قد بعث برسالة فإنّ رسالته لا تشملنا"فردّت عليهم الآية مورد البحث في أوّل بيان لها، بأنّ رسالته قد