المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 40
شجرة الزّقّوم، وفيها بحوث:
1 -وقد أكّد فيها أيضا مثل آيات الواقعة على أنّهم يأكلون الزّقّوم حتّى يملؤون منها البطون ثمّ يتبعها بما يذكّر شربهم من دون تصريح به، وهو (أنّ لهم لشوبا من حميم) .
2 -قال الطّبرسيّ (4: 445 - 447) :"و الشّوب خلط الشّي ء بما ليس منه، وهو شرّ منه ... أي خليطا ومزاجا من ماء حارّ يمزج ذلك الطّعام بهذا الشّراب."
وقيل: إنّهم يكرهون على ذلك عقوبة لهم"."
وقال الفخر الرّازيّ (26: 143) :"و اعلم أنّهم إذا شبعوا فحينئذ يشتدّ عطشهم ويحتاجون إلى الشّراب، فعند هذا وصف اللّه شرابهم- وذكر الآية وقال نقلا عن الزّجّاج-: الشّوب اسم عامّ في كلّ ما خلط بغيره، والحميم: الماء الحارّ المتناهي في الحرارة، والمعنى أنّه إذا غلبهم ذلك العطش الشّديد سقوا من ذلك الحميم، فحينئذ يشوب الزّقّوم بالحميم".
وعندنا أنّ ذكر"الشّوب"بدل"الشّرب"يشعر بأنّهم يشربون خلال الأكل فيخلط الحميم بالزّقّوم في بطونهم، وكلاهما يضاعف العطش، ولا يصبرون من شدّة العطش حتّى يشبعوا وينتهوا من الأكل، بل يأكلون ويشربون معا، وهذا أبلغ في تصوير غلبة الجوع والعطش عليهم، وفي حرصهم على الأكل والشّرب معا.
3 -كلمة (عليها) فيها أيضا- مثل ما سبق- مشعرة بأنّ الشّرب ناشئ عن الأكل، وضمير التّأنيث راجع إلى شجرة الزّقّوم، كما في قبلها لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ أي إنّ لهم على أكلها خلطا من الحميم يشربه، لكنّه انصرف عن إرجاع الضّمير إلى"أكلها"وأرجعه إلى الشّجرة نفسها، كما انصرف عن ذكر الثّمرة إلى نفس الشّجرة مبالغة وتأكيدا. قال ابن عبّاس- وتبعه غيره-:"أي شرب الحميم على الزّقّوم". وقال السّدّيّ:
"يشاب لهم الحميم بغسّاق أعينهم، وصديد من قيحهم ودمائهم"ونحوه عن ابن زيد: والظّاهر هو الأوّل، لعدم ذكر (الغسّاق) فيها، كما ذكر في (7 و8) كما يأتي.
4 -ذكر الفخر الرّازيّ هنا في كلمة (ثمّ) وجهين:
الأوّل: أنّ عطشهم يعظم بالأكل، ولكنّهم لا يسقون إلّا بعد مدّة مديدة، والغرض تكميل التّعذيب.
والثّاني: أنّه تعالى ذكر الطّعام بتلك البشاعة والكراهة، ثمّ وصف الشّراب بما هو أبشع منه، أي أنّ حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول.
ونقول: إنّه اتّخذ (ثمّ) في الوجه الأوّل للتّأخير في الزّمان، وفي الثّاني للتّأخير في البشاعة، وكلاهما يجتمع مع ما قلناه في (الشّوب) من شراب الحميم خلال الأكل والاختلاط بينهما، أي يغلب عليهم العطش خلال الأكل، لكنّهم يسقون بعد كلّ لقمة بفصل مدّة، أو بشرب أبشع منه. وعلى كلّ حال فتكرار (ثمّ) فيها: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ* ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ، يحكي عن صعوبة العمل ودوامه، ففيه تأخير بعد تأخير في الزّمان والمكان والبشاعة.
5 -استفاد الفخر الرّازيّ عن ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ أنّهم حين شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم؛ وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن الجحيم، فهم يوردون الحميم لأجل الشّرب كما تورد الإبل إلى